التفكير المنظومي (التواصلي) من أجل سلام مستدام

سناء واجد علي*

في البدء نريد أن نتعرف على طبيعة التفكير الذي يمارسه الإنسان في حياته اليومية والذي يحدد إدراكة للأشياء، وبالتالي مشاعره وسلوكه تجاهها. فالإنسان يتعامل مع المشاكل التي يواجهها في حياته اليومية من خلال تفكير خطي يجسد منطق «إما أبيض أو أسود». وهذا التفكير الخطي الاختزالي هو المسؤول عن عدم تقبل الآخر أو المختلف والتعايش معه في بيئة واحدة. فهذا النوع من التفكير هو الأساس أو البنية التحتية التي أنتجت الأنظمة الشمولية والأزمة البيئية الحالية والإرهاب. وعلاج هذه المشاكل المعقدة التي أصابت المنظومات السياسية والاقتصادية والصحية والتربويه، يكون من خلال التحول إلى التفكير المنظومي الذي يتضمن تغيير نظرتنا للحياة والآخر الذي يصبح جزءاً من أنفسنا، النظرة التي تتضمن أننا جزء من كلٍّ أكبر لا يمكن اختزاله في أي ثنائية عرقية أو قومية أو إثنيه.

في هذا التفكير التواصلي المنظومي الذي يرى أن كلَّ شيء مرتبط بكل شيء، كشبكة علاقات معقدة لا يمكن تحويلها إلى علاقة هرمية تشبه علاقة السيد بالعبد. فالمركز في التفكير المنظومي هذا هو الهدف والقيم وليس الأشخاص، فالفرق بين المنظومة الحية والمنظومة الآلية هو مركزية الهدف في المنظومة الحيّة هو التواصل والحب في حين إدارة المنظومة الآلية تحتاج إلى سلطة وقوة، حيث يكون الأشخاص هم المركز فيها.

يمارس الإنسان في حياته اليومية والمهنية نوعين من التفكير:

1) التفكير الاختزالي الذي من خلاله يختزل الإنسان الكل في جزء، فهو يمنع ظهور الكل (المصلحة العامة) نتيجة تركزية على الأجزاء (المصلحة الخاصة). ويسمى أيضا بالتفكير الكمي، التحليلي الذي يحلل فيه الكل إلى أجزاء بسيطة متوقعاً أن معرفتها هي معرفة الكل غافلاً عن حقيقة حياتية، وهي أن الكل أكبر من مجموع الأجزاء.

آثار هذا التفكير الاختزالي هي استنباط الإنسان أحكامه وحلوله من كليات مسبقة تحولت إلى مسلمات مطلقة (أصنام)، مما يجعله صنماً بكل ما في الكلمة من معنى لأنها تتحكم برؤيته للأشياء والأشخاص بشكل مسبق. وبالتالي هو لا يراهم ولا يسمعهم بل يمارس عملية إسقاط لهذه الأحكام. هذا التفكير هو أساس التفكير الإقصائي أو العنصري، الذي يجسده الجميع بنسب متفاوتة، لكن وصلت أقصاها مع الإرهاب.

بايولوجياً، يتجسد هذا التفكير الاختزالي / التكفيري في النصف الأيسر من الدماغ، الذي لا يرى سوى الأشياء والتفاصيل أي الأجزاء، ولذلك هو يمثل التفكير الكمي.

2) النوع الثاني من التفكير هو التفكير التواصلي، كما وضحه مارتن بوبر في تشخيصه للعلاقات الإنسانية أو البشرية إلى نوعين: I YOU AND I IT، الذي ينظر إلى العلاقات بين الأجزاء التي تعمل على إظهار المعنى أو الكل. لذا هو يستمد أحكامه من العلاقات الضرورية بين الأشياء ذاتها من خلال تجربته الحيّة معها، ولذلك يسمى أيضاً بالتفكير الاستقرائي، ويعرف أيضا بالتفكير الانتظاري، حيث ينتظر فيها الإنسان ظهور الكل والمفاهيم من الأشياء أو الأشخاص ذاتهم.

هذا النوع من التفكير هو أساس البحث العلمي، الذي يسعى لرؤية الكل في الأجزاء، والوحدة في التنوع.

بايولوجياً، يتجسد التفكير التواصلي / التوحيدي في النصف الأيمن من الدماغ، لذا هو ينظر إلى المعاني، إلى الكل / الصورة الكلية، قبل النظر في التفاصيل. من هنا ضرورة البدء به في كل سلوك، علمياً كان أم اجتماعياً. لأن عدم رؤية الكل أولاً يمنعنا من فهم العلاقات التي تربط الأجزاء، وبالتالي يتعذر علينا الفهم والتأويل الأحسن.

أدناه الرؤية المقترحة للمشروع، وكذلك الأهداف المرجوّة وطرق إنجازها:

الرؤية:

تحويل التفكير المنظومي إلى نمط حياة لضمان مجتمع مستدام

الأهداف:

1) نشر وتنمية التفكير بكافة أنواعه، خصوصاً التفكير الناقد المنظومي والتفكير الإبداعي، والتي تؤسس لبيئة فكرية لظهور السلوك المستدام.

2) تنمية روح ومهارات البحث العلمي العابر للتخصص Transdisciplinary science الذي يتضمن التكامل بين البحث الكمي والنوعي، والتأكيد على أولوية التفكير المنظومي كأساس لظهور فريق عمل هدفه حل المشاكل المعقدة. وبالتالي توفير البيانات اللازمة لرسم سياسات استراتيجية تعالج المشاكل بشكل منظومي مستدام.

3) دعم إجراء ونشر البحوث النوعية التي تكمل ما يصل إليه الباحث الكمّي من إجل اتخاذ القرار الاستراتيجي / المستدام الذي لا يتقاطع مع باقي أجزاء المنظومة، سواء كانت تربوية أو صحية أو غيرها، آخذاً بنظر الاعتبار التداخل والعلاقات الشبكية التي تمنع اختزال الحلول ذات البعد الواحد نتيجة هيمنة الهوية التخصصية Disciplinary identity.

4) تنمية الهوية العابرة للتخصص: الشرط الأول لظهور التفكير التواصلي هو التحول من الهوية المتخصصة إلى الهوية العابرة للتخصص، التي تنظر للكل وبعيون الآخر. وبالتالي تسعى للتواصل معه والإصغاء إليه بشكل فعّال، مما يوفر لنا رؤية أوسع وقراراً حكيماً.

5) تأسيس مختبر للتفكير المنظومي يقوم بتزويد المشاركين بمهارات حل المشاكل المعقدة بطرق استراتيجية ومستدامة ،وكذلك تزويدهم باختبارات تبيّن لهم مكانهم ضمن قوس الصعود أو النزول من خلال تطبيق نظرية U التي ولدت على يد البروفسور أوتو شارمر، وهو أستاذ محاضر في معهد ماسوشست الأمريكي ومؤسس معهد الحضور ((presencing.

يتم العمل في هذا المختبر من خلال التعلم في مجاميع صغيرة، small group learning، تسمح بتنمية وتمكين مهارات القرن الحادي والعشرين (التفكير التواصلي، التفكير النقدي، التواصل والاتصال، التعاون والعمل كفريق، والإبداع والتفكير الإبداعي).

تضم هذه المجاميع اختصاصات متنوعة، تشكل نواة للبحوث العابرة للتخصص Transdisciplinary Research group والهويات المغلقه، والتي تقدم حلولاً وطنية نوعية، تخدم المصلحة العامة مؤسسة في نظرية التعقيد والمنظومات Complexity system theory

6) ترجمة البحوث النوعية التي تحاول أن تحل مشاكل اجتماعية معقدة كظاهرة اللجوء، الإرهاب، العنف بكل أشكاله بما فيه العنف الرمزي، وخاصة تجاه المختلف.

7) خلق بيئة فكرية تهيئ للعمل الجماعي العابر للتخصص من أجل وضع حلول للمشاكل المعقدة المذكورة آنفاً.

8) قيادة التغير من الداخل، من خلال تغيير الأطر الذهنية المقفلة التي تغيّرت عالمياً، ولكن – للأسف – مازالت تتحكم في سلوكنا وتسيّره بشكل خارج عن السيطرة، لعدم وجود البحث في هذا الجانب. وهذا يجعل صيحات التغيير والإصلاح مجرد اجراءات سطحية بالضبط مثل تغيير مكان الأثاث في الغرفة، ولكن الغرفة باقية على حالها.

فالتغيير يبدأ من الداخل، من النفس والوعي.

9) استحداث مجلة تعنى بالظاهراتية والتفكير المنظومي من خلال إجراء البحوث النوعية محلياً وترجمة البحوث العالمية ذات التأثير المحلي. المجلة سوف تكون الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، مما يسهّل هذا الأمر وجود الكثيرين من قادة هذا المنهج في العالم ممن أبدوا استعدادهم للتعاون.

إن هذا المشروع هو الخطوة الأولى لبيئة مستدامة، لمجتمع يجسد التفكير المنظومي في جميع جوانب الحياة التي تستند في سلوكها إلى البينة الكمية والنوعية متجاوزة السلوك الارتجالي والانفعالي الذي يؤدي دائما إلى الرفض وعدم الطاعة.

* طالبة دكتوراة في مجال علم الاعراق البشرية و الثقافات – جامعة بريمن – ألمانيا

Comments are closed.