«أسطورة أهل الكهف»

الإعلام وخطاب الكراهية في العالم العربي

سامي بعزيز

تشتد المعاناة ويسود التشنج في غياب ثقافة التسامح التي باتت أحد أهم سمات التفاعلات على الساحات العربية، على المستويات الثقافية والسياسية والإعلامية، على نحو جعل «الكراهية» تبدو «صناعة» امتهنتها بعض وسائل الإعلام واتقنتها جماعات بدت أسيرة ثقافة عنصرية تجذرت وسادت تفكيرها، وبدت مسؤولة عما بلغته المنطقة من صراعات داخلية أججها النزوع إلى تصنيف البشر بحسب انتماءاتهم القبلية والعشائرية والعرقية والمذهبية، وبناء على صور نمطية رسختها في الأذهان وسائل إعلام استهدف ديمومة «أسطورة أهل الكهف» في مجتمعات أرادتها منغلقة يسودها خطاب الكراهية وتكسو رؤيتها العنصرية ضد الآخر أيا كان، سواء داخل الحدود أو فيما وراءها.

وقد تبدلت قطاعات من مجتمعاتنا السامية بطبيعتها وفطرتها لتغدو «لاسامية» في بعض أنماط تفكيرها، لتتجسد فيها «أسطورة أهل الكهف» لأفلاطون، والتي تشير إلى مجموعات يعيشون بيننا ولكنهم يشبهون أناسا ولدوا وتربوا في كهف، ومن فرط بقائهم فيه فقدوا الإحساس بحقائق الأشياء وواقع الأحداث، فبدت لهم محض ظلال الحركة في خارج الكهف كأنها حقيقة واقعة وليست محض أخيلة على جدرانه التي سجنت عقولهم كما قيدت أيديهم بسلاسل وأغلال، فأضحت أنظارهم عاجزة حتى عن رؤية حوائط الكهف الداخليه أو إدراك مخارجه.

تشكل «أسطورة الكهف» مثالاً دالاً لفهم «العالم الوهمي» الذي يخلقه الإعلام، ويعتبره أفلاطون ليس إلا ظلالا للعالم الحقيقي الموجود ولا تدركه عقولنا، بسبب ما تخلقه وسائل الإعلام من حولنا من واقع مغاير يسوده في بعض الأحيان تزييف الحقائق وإعادة توجيهها للسيطرة على القلوب وتعبئة النفوس وخلق صور نمطية يصعب تغييرها، من كثرة ترديدها بوسائل عديدة وأدوات مختلفة. وثمة نماذج كثيرة، لعل أشهرها، الدفع نحو تبني خطاب عنصري قائم على معاداة الآخر الديني لخلق فجوة نفسية وذهنية تفرض قيوداً على قبول المسلم للمسيحي أو اليهودي رغم أنهم أهل كتاب، أمرنا الله أن نودهم ونبرهم، وسمح لنا بالتجارة معهم والأكل من طعامهم والزواج منهم.

لذلك لم يكن الخلط بين المشروع السياسي الصهيوني، من ناحية، وبين الإنسان الذي يعتنق اليهودية، من ناحية أخرى، إلا أحد أدوات تعزيز العنصرية وترسيخ ثقافة الكراهية التي كانت من محركات الصراعات المذهبية والطائفية التي عانت منها مجتمعاتنا، وذلك بعد أن اتجهت الوسائط الإعلامية والأعمال الفنية والأدبية والكاريكاتير السياسي إلى التعرض لمعتنقي الديانات الأخرى، سيما اليهودية، لتستنسح نفسها مرة خرى، ولكن هذه المرة انطلاقا من اعتبارات طائفية ومذهبية ومناطقية وعرقية.

التعصب والعنصرية في المجتمعات العربية

تعاني المجتمعات العربية من انتشار صراعات مذهبية وطائفية وسيادة ثقافة التطرف التي غدت تستهدف نسيج ووحدة المجتمع العربي، عبر إثارة الفتن ونشر الكراهية بين مكوناته، وتفكيك وحدته وإثارة الصراعات بين عناصره بعد أن كانت تتجانس وتتعايش في أمن واستقرار وسلام، لتتصاعد ظواهر هجرة الآلاف من اليهود والمسيحيين والأقليات من مواطني الدول العربية، عبر سنوات وعقود متتالية.

لحق ذلك بروز تحديات أمنية وثقافية وسياسية عانت منها الدول العربية وأثمرت عن اتساع الهوة بينها وبين المجتمعات الأوروبية، التي يتعايش فيها البشر وتتكامل بتناغم بغض النظر عن انتماءاتهم وانحيازاتهم سواء تعلقت بالديانة أو الطائفة أو الجنسية أو اللون أو العرق. فالمسلم واليهودي والمسيحي والبوذي يتساوون على مقاعد الدراسة وفي مواقع العمل وأماكن السكن. إنهم يتمتعون بنفس الحقوق ويحظون بذات الواجبات، بل إنهم يتشاركون في الأعياد ليشكلوا بذلك لوحة فسيفسائية يمتثل الكل فيها لهذه الثقافة الثرية، رغم الاختلافات البشرية والفروق الطبيعية.

هذه الصورة الجميلة كانت موجودة قديماَ في بلداننا العربية أبطالها أجدادنا ونتج عنها الكثير من الإبداعات والقصص السياسية والثقافية التي عكست وحدة الأهداف والطموح واللهجة والعادات والتقاليد في مجتمعات لم تخلُ قديما من اختلافات في الرأي والمعتقد والطبائع كتلك التي تشهدها أوروبا الآن، لكنها في ذات الوقت أعلت من ثقافة التسامح واحترام الإنسان قبل كل شيء، بحسبانه لا يقاس حسب معتقداته أو لونه أو انتماءاته، فلا أحد يختار دينه أو شكله أو أهله، فالإنسان بإنسانيته.

يتجلى ذلك جوهريا فيما تشهده المجتمعات من محن قد تفضى إلى تفكك البعض منها، كما في حالتنا العربية، أو إلى ترسخ وحدتها وتماسكها كما في حالات بلدان أخرى، ربما أوضحت هذه الحقيقة الحادثةُ الإرهابية التي استهدفت مسجدي «كرايست تشيرتش» على يد يميني متطرف، في مارس الماضي، وما كشفت عنه من تعاطف وتلاحم شعبي مع مسلمي نيوزلندا، وكذلك قرار الجالية اليهودية هناك إغلاق معابدها يوم السبت، لأول مرة في تاريخها، تضامناً مع الجالية المسلمة. كما خرج اليهود في كل أنحاء العالم مع المسلمين مؤكدين على اصطفافهم ووحدتهم ضد الإرهاب والعنف.

شهدت ألمانيا بدورها أيضا سلسلة من المظاهرات للتضامن مع اليهود بعد أن تعرض في العام الماضي شابان يرتديان «الكيبا» اليهودية لهجوم من ثلاثة شبان كانوا يرددون هتافات عنصرية، ليشارك المسلمون في المظاهرات التي شهدتها العاصمة برلين ومدن أخرى، وارتدت بعض المسلمات المشاركات فيها «الكيبا» فوق حجابهن. حملت مظاهرة برلين عنوان «برلين ترتدي الكيبا»، ورغم أهمية ذلك وما يوضحه من جدوى العمل على استباق هذه الحوادث من خلال تعزيز ثقافة التسامح، إلا أن هذه الرسائل غُيبت عن وسائل الإعلام العربية ولم يسلط عليها الضوء، وليس السبب إلا كونها تعكس ما نفتقده من حالة تعايش وما يعوزنا من قيم تسامح تنعم به بعض البلدان الأخرى بالمقارنة مع بلداننا.

إن القصص موجودة بل وتتكرر كل يوم وفي شتي المجالات وبين كل الناس الذين يتمتعون بالإنسانية وقبول الآخر لتستمر الحياة للجميع من دون تمييز أو إقصاء كالذي تشهده ثقافتنا ويسود مجتمعاتنا، وهو ما يتنافى مع القيم الأخلاقية والتعاليم الدينية التي تؤسس لثقافة التسامح والتعايش السلمي، فقد تزوج الرسول (صلى الله عليه وسلم» من يهودية، وعقد اتفاق تعايش سلمي مع اليهود في المدينة المنورة، ورهن درعه عند جاره اليهودي، ووقف في جنازة يهودي.

 

الإعلام وخطاب الكراهية

يأخذ تعريف خطاب الكراهية توصيفات عدة يمكن أن نجملها في العنف اللفظي المُتضمَّن في الخطاب المتطرف، والكُره البيّن، والتعصّب الفكري، والتمييز العنصري، والتجاوزات التعبيرية القدحية، والنظرة الاستعلائية الإقصائية. وخطاب الكراهية كظاهرة اجتماعية سياسية واتصالية تفاقمت بما شكل آفة انتشرت مع تزايد أدوات الإعلام وتكاثر قنواته، ليتيح الفضاء الإلكتروني مساحات غير تقليدية لحريّة بدت شبه مطلقة بلا ضوابط أخلاقيّة أو قوانين رادعة.

وقد نتج هذا الوضع عن استثمار سياسي متدفق لتوظيف وسائل الإعلام المختلفة لتعزيز خطاب الكراهية والتعصب في مجتمعات عربية بدا البعض منها منغلقاً على الأنا الجمعية، بامتداد المناطق والطوائف والقبائل والأعراق والمذاهب والأيديولوجيات، لاسيما في ظل التطور التكنولوجي، وتعاظم القدرة على استقطاب شرائح جديدة وأعداد متزايدة إلى «جيوش الكراهية»، لخوض معارك الاقتتال الاجتماعي والمذهبي والعرقي في الفضاء الإلكتروني الواسع.

إن انتشار «دواعش الفكر» وتيار الإقصاء الممنهج، انعكس سلباً على المجتمعات العربية التي افتقد البعض منها قيم التسامح والتلاحم وثقافة التعايش والسلام، بما يستدعي العمل على إيجاد استراتيجية استباقية للتصدي للأفكار الداعشية قبل أن تتحول إلى عقائد تنتج سلوكاً عدوانياً متطرفاً. ويتطلب ذلك أيضا مجابهة سياسات بعض الأنظمة العربية والإقليمية التي تمتلك مشاريع جيوستراتيجية تقوم على مبدأ التقسيم وإشاعة التناحر، وبثّ الكراهية والفرقة بين شعوب المنطقة.

 

مبادرة صناعة السلام وترسيخ ثقافة التعايش

للكراهية أوجه متعددة منها ما هو اجتماعي أو ثقافي، وتعد «الكراهية الدينية» الأخطر بينها، ذلك أن آثارها تتجلى سريعاً وتنعكس في مجتمعات متناحرة ومنقسمة. وتظهر الكراهية في الشعارات والخطابات السياسية والدينية المتشددة التي هى في الغالب أحد أدوات الصراعات والحروب بين الدول، أو داخل الأمة الواحدة أو حتى داخل البلد أو العرق أو الدين الواحد. ولأن هذه الثقافة موجودة لدينا فقد عملت بلدان استعمارية على «تلطيخ» صورة العربي عبر

وسائل الإعلام، مما أجج بالتبعية «ظاهرة الإسلاموفوبيا»، سيما بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي عززت صورة «العربي المتطرف» في وسائل الإعلام الغربية.

يستدعي مجابهة ذلك العمل على اتقان فن صناعة السلام وترسيخ قيم التعايش وابتكار أساليب للوقاية المجتمعية، وترشيد الرسالة الإعلامية ومراجعة الخطاب الديني وتصحيح المفاهيم غير الصائبة واعتماد لغة العقل لا العاطفة وبناء جسور من الحب والإخاء والسلام. والنخب العربية مطالبة بإجراء حوار ثقافي مفتوح للتعاطي بشأن حالة «الانسداد الأخلاقي» في الخطاب السياسي والديني الطائفي، ووضع استراتيجية شاملة لاستئصال داء الكراهية القميء. وثمة مجموعة من التوصيات قد تشكل في مجملها مبادرة يمكن العمل عليها من أجل مواجهة مروّجي الكراهية والتطرف والإرهاب.

1) إطلاق قنوات ومؤسسات صحفية وإلكترونية متخصصة في بناء ثقافة التسامح ومكافحة للفكر الإرهابي والمتطرف، باللغة العربية وتكون موجهة لجميع شرائح المجتمع.

2) إطلاق برامج تأهيل وتدريب إعلامي فكري للإعلاميين لتمكينهم من التفاعل الناجح مع قضايا الفكر المتطرف، من خلال تبني خطاب إعلامي يدافع عن قيم التسامح والعيش المشترك ويحارب الفكر المتطرف.

3) إطلاق برامج استقطاب الصحفيين والمؤثرين العالميين للحضور إلى المنطقة العربية، والإطلاع على واقع التسامح والتعايش المشترك في بعض النماذج المشرفة في المنطقة.

4) تعديل المناهج الجامعية في الإعلام والاتصال لتتضمن مفردات مهمة في نشر التسامح، ومكافحة التطرف عبر وسائل الإعلام.

5) إنشاء مراصد إعلامية لمتابعة التغطيات الإعلامية العربية والعالمية للفكر المتطرف واتجاهات الرأي العام بناءً على منهجيات تحليلية حديثة.

6) بناء علاقات تشاركية بين المؤسسات الإعلامية والمؤسسات الثقافية والتربوية والاجتماعية، لتوفير دفق فكري من تلك المؤسسات إلى الفضاء الإعلامي.

7) إطلاق حملات إعلامية مركزة عبر وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية والإلكترونية، للتوعية بقيم التسامح والتحذير من الفكر المتطرف.

8) الاستفادة من المؤسسات والمنتديات التي تتبنى المبادئ المشار إليها ونشر ما يصدر عنها، بما في ذلك إعداد برامج حوارية ومسلسلات إذاعية وتلفزيونية، وتشجيع الكتاب والمفكرين لتناولها في كتاباتهم.

9) تشجيع المؤسسات الإنتاجية والأفراد على إنتاج برامج ثقافية تركز على التسامح والاعتدال وتقبل الآخر وتشجع حوار الحضارات.

10) التعامل مع الشعب اليهودي في إسرائيل، بحيث يجب ألا يتم تجريم أو تخوين الساعي للسلام الإقليمي والتعايش والعلاقات الطبيعية مع أبناء الدولة العبرية.

Comments are closed.