حوار مفتوح..بقلم الدكتور محمد الدجاني الداودي

ردا على مقال الأخ بسام أبو شريف
اخي بسام حفظه الله،
] قرأت بتمعن ما كتبت ووجدت من الضروري الرد على ما ورد فيها لاني وجدت الأفكار التي تضمنتها تحتاج الى التجديد. صداقتنا بدأت منذ بداية تعارفنا في الجامعة الامريكية في بيروت عام 1964. وأصبحت المسؤول عني عام 1966 في حركة القوميين العرب وافترقنا في اعقاب حرب عام 1967 فالتزمت انت مع الجبهة الشعبية وانضممت انا لفتح. وعلى الرغم من شدة العداء في حينه بين الطرفين الا اننا حافظنا على صداقتنا وعلاقاتنا الودية. ورغم مرور الزمن فأننا عندما التقينا في الجراند بارك برام الله عام 1995 كنا وكأننا افترقنا بالأمس. واكن محبة لك واحترام لأفكارك. ولكن ها نحن اليوم نعود لنختلف في تحليل قراءة الأوراق السياسية الامريكية وكيفية التعامل معها. [
ما حدث في الولايات المتحدة ظاهرة طبيعية للديمقراطية بشكل عام عندما تستغل الغوغائية الأسلوب الانتخابي للوصول للسلطة ولكن تغلبت عليها الديمقراطية الامريكية لان جذورها عميقة. وكان التربوي المشهور جون ديوي قد نبه في كتابه “الديمقراطية والتعليم” الصادر عام 1916 الى ضرورة ترسيخ فهم الديمقراطية بالتركيز على المناهج التعليمية. ومعركة بايدن – ترامب الانتخابية على الرئاسة الاميركية للعام 2021 ومجريات امورها بدءا من رفض ترامب خسارته المتوقعة حسب الاستطلاعات الأولية قبل بدئها والادعاءات الكاذبة غير الموثقة بتزوير نتائجها وتحريض أنصاره على التظاهر العدائي لمنع التصويت على تثبيت الفائز بها، رسخت في العمق جذور هذه الديمقراطية. وكما ذكر بايدن فانه يريد ان يسير قدما في تنفيذ اجندته السياسية دون إعطاء الفرصة لترامب لسرقة الأضواء الإعلامية منه. وقد حدد أولوياته في القضاء على وباء الكورونا وانعاش الاقتصاد الوطني وترسيخ الوحدة الوطنية في المجتمع الأمريكي وتحسين صورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية وإعادة بناء العلاقات الامريكية مع الحلفاء التقليديين وحل الازمات الدولية بتهدئة الأجواء وليس بتصعيدها.
‎الغوغائية الترامبية لم تكن الأولى من نوعها في هذا العصر اذ سبقتها المكارثية في أوائل الخمسينات وتمكن المجتمع الديمقراطي الامريكي في الوقوف في وجهها والتصدي لها وتجاوزها.
اما بالنسبة لملف الشرق الأوسط فان سياسة ايران العسكرية التوسعية في المنطقة العربية هي في اعتقادي ما جعل منها الخطر الداهم على دول الخليج العربي مما ضغط على هذه الدول للتطبيع مع إسرائيل كي تحمي وجودها ولا تقع ما بين المطرقة الإيرانية والسنديان الاسرائيلي. وهكذا تحولت ايران لتكون العدو بدلا من إسرائيل.
‎ومن الصحيح ان جوهر سياسات ترامب الشرق أوسطية كانت “القضاء على اسم فلسطين ، وكيان فلسطين ، وأرض فلسطين ، وتهجير شعبها ، أو من تبقى منه للخارج” ومتضمنا ضم أراضي الضفة الغربية، وأغوار الاردن ونقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس ، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل (علما بان كلمة “موحدة” لم ترد في أي من تصريحات ترامب عن ذلك) ، وإزالة وكالة الأنروى واغلاق السفارة الفلسطينية في واشنطن. وهذه سياسات ليس بالضرورة ان يوافق عليها بايدن بل منها ما لن يسعى لتغييره ومنها ما سوف يغيره دون تردد.
واعتقد ان من سوف يدمر الفلسطينيين هم الفلسطينيون انفسهم وكفا التهرب من مواجهة هذه الحقيقة المرة. فالتشرذم والفساد وسوء الحكم والعصبية القبلية هي امراض فتاكة كالكورونا علينا معالجتها. وفي ما يلي فتحا لباب النقاش حول مقترحاتكم:
أولا: طرح قضية فلسطين بجذريتها، وجذورها لن يعطي اية نتائج ملموسة في الحوار الفلسطيني – الامريكي. فلهم مصالحهم وسياساتهم واجنداتهم. كما ان الأمريكيون خبراء في هذا المجال وفي حين نحن نتعلم التاريخ بالروايات والحكايات المروية فانهم يدرسونها في جامعاتهم بأساليب علمية موثقة. وذلك واضح من غزارة الكتب المؤلفة منهم مقارنة بالكتب المؤلفة منا. ولا يوجد عندهم استعداد لتغيير الرواية الامريكية والاقتناع بالرواية الفلسطينية. ولذا علينا إيجاد اساليب جديدة في لغة الحوار معهم.
ثانيا: علينا تغيير الخطاب السياسي الفلسطيني الذي ينطق ويتصرف وكأننا دولة عظمى واستبداله بخطاب سياسي دبلوماسي معتدل يستوعب كيفية مخاطبة الساسة الأمريكيين ويتفهم ثقافتهم وتاريخهم.
ثالثا: علينا الكف عن مطالبة أمريكا بتطبيق قرارات الأمم المتحدة لأنهم غير معنيين بتطبيق هذه القرارات ولذا فان الإصرار على مطالبتهم بتطبيق هذه القرارات لن يعطي اية نتائج معهم وكما ثبت في قمة كامب ديفيد لعام 2000.
‎رابعا: أصرار السلطة أو منظمة التحرير الفلسطينية ، أو أي جهة فلسطينية او عربية على رفض أية حلول سوى الانسحاب الاسرائيلي من كامل الأراضي التي احتلتها عام 1967 هي سياسة اثبتت فشلها وعلينا التفكير بمبادرات لحلول مبتكرة مستمدة من الواقع لنحافظ على ما تبقى.

خامسا: من الأهمية بمكان استراتيجيا رفض الاستيطان، واعتبار كل ما أقيم على الأرض التي احتلتها اسرائيل عام 1967، غير شرعي وهذا يعني كافة المستوطنات سواء ، التي شرعها الكنيست الاحتلالي، أو التي مازالت قيد الدراسة .
سادسا: الاصرار على انهاء الاحتلال وحل الدولتين واقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية.
سابعا: أن التمسك بمطالب نعلم انها غير قابلة للتطبيق وان نواجه بايدن بهذا المواقف التي لم تعطي نتيجة زمن الرئيس باراك أوباما حين كان نائبا للرئيس وتسببت في تصلب سياسات ترامب وكوشنر لن تؤدي الى ان يقفز بايدن عن كل ما نفذه كوشنر، وترامب، ونتنياهو، بل سوف يثبتها.
ثامنا: بايدن له وجهة نظر مؤيدة لإسرائيل والتي يعتبرها جزءا من استراتيجية الامن القومي الأمريكي وهو في ذلك لا يخشى من النفوذ اليهودي الاميركي، والحركة الصهيونية، والمسيحيين الصهاينة لانه بسبب عمره لا يفكر بخوض انتخابات لفترة قادمة وهو قد حقق هدف حياته في ان يصبح رئيسا لأمريكا. ولذا فهو لن يستمع للفلسطينيين في طروحاتهم التقليدية التي يطرحونها لعقود دون نتائج مثمرة ولا اذان صاغية.
تاسعا: فلسطين ليست إيران وتعامل بايدن مع الملف الإيراني يختلف كثيرا عن تعامله مع الملف الفلسطيني. والمواجهة الإيرانية مع أمريكا في حال تصعيدها ستسبب اضرارا لإيران تفوق ما قد تسبب لأمريكا. وما حدث مع الرئيس العراقي صدام حسين افضل مثال على ذلك. الوجود الإيراني يصب في المصلحة الامريكية كي يستخدم للضغط على دول الخليج للاستفادة من مواردها البترولية.
عاشرا: ان سياسة القوة والعنف وان “لا يمكن أن تصبح ملفاتنا ساخنة تحرق الأصابع اذا لم نكن أقوياء” قد يفهم منها عسكرة المقاومة مما قد يتسبب بأكبر الاضرار لنا وللقضية.
احدى عشر: المقاومة لن تجدي مع بايدن كما لم تجدي مع أوباما وترامب ومفتاح التعامل مع بايدن يجب أن يكون مفتاحا دبلوماسيا لينا ومتفهما. ومدخل القوة سوف يدفع ببايدن الى وضع الملف الفلسطيني على الرف ولا اريد ان أقول في سلة المهملات. فلنكن أقوياء، ولكن بعقولنا وفكرنا وعلمنا ودبلوماسيتنا وليس بعواطفنا وجهلنا في كيفية التعامل مع الطرف الأمريكي.
وفي الخلاصة، على القيادة الفلسطينية الحرص على عدم التعامل مع الرئيس بايدن كما تعاملت مع الرئيس السابق أوباما واخذه أمرًا مسلمًا به ومحاولة إملاء ما يجب عليه فعله من خلال إعطائه قائمة طويلة من المطالب على رأسها التقيد بتنفيذ بقرارات الأمم المتحدة فدولة الولايات المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة صنوان لا يلتقيا. أيضًا، يجب التوقف عن التفكير في أنهم قوة عظمى في المنطقة وانهم الرقم الصعب الذي بدونه لا يمكن لأية سياسة لا يوافقوا عليها أن تمضي قدمًا. فنرى انهم قد عارضوا بشدة اتفاقية التطبيع الإماراتية مع إسرائيل، لكنهم لم يتمكنوا من ان يعرقلوا الصفقة بل ان مواقفهم المتصلبة تسببت بخلق كراهية وعداوة ما بين السلطة الفلسطينية وحكومات الخليج التي كانت تعد من أكثر المؤيدين المتحمسين للقضية الفلسطينية. علاوة على ذلك، يجب على السلطة الفلسطينية أن تدرك أن ليس من مصلحتها اتخاذ سياسة صدامية مع الولايات المتحدة، لأن ما حدث في عهد كل من إدارة أوباما وترامب سيكون كارثيًا ان استمر ولن يضر الولايات المتحدة بل القضية الفلسطينية. كما ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تطرح أفكارا مبتكرة بلغة دبلوماسية وان تضع خطة سلام واقعية متماسكة تأخذ في عين الاعتبار مصالح الاطراف ومخاوفهم الأمنية يكون ناتجها ربح – ربح.

مع الاحترام والتقدير.

Comments are closed.