الولاء والبراء..الفقه في خدمة الكراهية

تشهر التيارات التكفيرية سلاح الولاء والبراء، أي إظهار التقرب والود من غير المسلمين في وجه دعاة حوار الأديان والتعايش السلمي. وآخر هؤلاء الداعية السلفي عثمان الخميس، الذي وصف إنشاء البيت الإبراهيمي بـ”الكفر”، وهو صرح رمزي يدعو للتعايش بين أبناء الديانات، ولا يدعو للوحدة بين الأديان أو أن يكون دينا تابعا لآخر.

لكن ثقافة عثمان الخميس وأمثاله سماعية شفاهية توقفت عند التقليد والجمود الفقهي، والنقل بديلا عن إعمال العقل. فالولاء والبراء مصطلح قديم مرتبط بفترة الإسلام الأولى وظروف سابقة مرتبطة بفترة الحروب وهو مصطلح يثير إشكاليات، كثيرة ما لم يتم تفسيره وبيان مقاصده الفقهية، فالولاء باختصار هو المحبة والنصرة، والبراء عكس الولاء.

إن معظم علماء الإسلام وضعوا باب “الولاء والبراء” في باب الفقه وليس العقيدة.  كما أن نص مفهوم الولاء نفسه في القرآن اختلف من سياق لآخر، والقضية مرتبطة بالمعاملة فالولاء والبراء ليس مطلقا يتجزأ فيها الولاء بالبراء.

فالمحبة ليست مطلقة والنصرة ليست مطلقة. وإنما تعتمد على المواقف، ويجوز نصرة أهل الكتاب كما يجوز لهم نصرتنا.  فالكلام في الولاء والبراء جاء في سياق المخالف المحارب العدو، وهو ما يفهم من سياق الآية الكريمة في النص القرآني: “لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ” (الحشر:22).

لا يختلف عثمان الخميس عن رفيقه الداعية السلفي ياسر برهامي الذي أصدر كتابا بعنوان “أوثق عرى الإيمان الولاء والبراء”، اعتمد فيه على رأى ابن تيميه بشكل حرفي فيما يتعلق بموالاة اليهود والنصارى قائلا: “فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة، فكيف بالمشابهة في أمور دينية، فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافى الإيمان”.

والغريب أن ابن تيمية وابن القيم يريان أن الولاء والبراء يتجزأ، إذا المشكلة في قراءة حرفية لكلام البشر واجتهاداتهم، وتقديس الأشخاص

المثير للانتباه أن برهامي في كتابه هذا يرفض فكرة المواطنة مع غير المسلمين، أو موالاتهم مساويا بينهم وبين أهل الكتاب المحاربين فهو يعتبرهم كفارا على الإطلاق ومن يواليهم خارجا عن الملة، ويرد على من يستشهد بأن محمد نبي الإسلام طالب بالإحسان إلى أهل الكتاب وقدم الهدية لليهودي بأنه جاهل”.

فأي دين يأمر بهذا سوى عقول تجمدت وتحجرت وخالفت سماحة الإسلام في التعامل مع المخالفين وغير المسلمين.

إن إطلاق هذا المصطلح القديم دون توضيح لسياقه ممن يتصدرون الدعوة يعني توظيفه سياسيا  من قبل تيارات تكفيرية تسعى لهدم الدول والأوطان، وإشاعة الفتن والانقسام بين الأمة، وتشويه صورة الإسلام السمحة.  أفلا تعقلون؟

Comments are closed.