مبادرات مغربية لترسيخ التعايش..”بيت للذاكرة” وتدريس الثقافة اليهودية

0

يشهد المغرب مبادرات متتالية لإحياء تراث وثقافة اليهود الضاربة بجذورها في تاريخ البلاد. تدريس الثقافة اليهودية في مناهج التعليم خطوة جديدة رحب بها ممثلو الطائفة اليهودية وينوه الخبراء بأهميتها للأجيال.

للمرة الأولى في تاريخ المغرب، تشهد مناهج التعليم مواد تعرف بالتراث والتاريخ اليهودي، خطوة تأتي بعد تدشين العاهل المغربي الملك محمد السادس “بيت الذاكرة” اليهودية بالصويرة الذي تمت اقامته عبر ترميم معبد يهودي قديم. “إنه تحول نوعي وفرصة لفهم الذاكرة المشتركة بين المغاربة يهودا ومسلمين”، على حد وصف الفنانة المغربية اليهودية سوزان هاروش.

سوزان التي تبلغ من العمر عقدها الخمسين، تقدم مواضيع التراث اليهودي وتعايش اليهود بالمغرب مع معتنقي الديانات الأخرى، من خلال معزوفات تراثية وأغان شعبية قديمة.تتحدث سوزان عن “حبها للمغرب و للملك محمد السادس”، وهي التي ولدت بمنطقة تافيلالت مسقط رأس الملوك العلويين، وترعرعت فيها إلى أن بلغت منصبا قياديا في إدارة أحد كبرى فنادق العاصمة الرباط.

تعليم الأطفال قيم التسامح

في أحدث خطوة للحفاظ على معالم الثقافة والتراث اليهودي بالمغرب، تقرر في بداية السنة الدراسية لهذا العام إدماج برنامج للتعريف بالثقافة اليهودية في مناهج التعليم بالمراحل الأساسية. وقد أثارت هذه الخطوة ترحيب الطائفة  اليهودية بالبلاد، فقد أشاد بها رئيس الطائفة اليهودية بالدار البيضاء سيرج بيرديغو، ووصفها بـ”الهامة والتاريخية”.

وأوضح بيرديغو إن “من حق الأجيال أن تعرف تاريخها”، وأضاف بيرديغو الذي تولى سابقا منصب وزير للسياحة، وأضاف..” إنها المرة الأولى تنجز فيها هكذا خطوة في بلد عربي مسلم، إذ أن هناك رغبة في “تعليم حقيقة تاريخية معاشة في المغرب”.

ويرى خبراء بأن تدريس الثقافة اليهودية في مناهج التعليم، سيكون له تأثير مستقبلي على ثقافة ووعي الأجيال الصاعدة، ليس فقط باتجاه التذكير بحقائق تاريخية يتميز بها المغرب، بل أيضا بالمساهمة في ترسيخ قيم التسامح ومكافحة معادة السامية ونبذ الصور السلبية والنمطية عن اليهود في المجتمع.

وكان المغرب من الدول العربية والمسلمة الرائدة في “مشروع علاء الدين” الذي أطلقته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) قبل عقدين ونيف ويهدف إلى إقامة جسور بين الثقافات والأديان ونبذ ظاهرة معاداة السامية، في مواجهة التحديات التي يطرحها تنامي تيارات دينية متشددة في العالم الإسلامي.

ومنذ إقرار دستور 2011 الذي يعد أول دستور لبلد عربي مسلم يعترف بالثقافة اليهودية كعنصر أساسي في التعدد الثقافي بالبلاد، ويؤكد على المكون اليهودي والعبري كرافد من روافد الهوية المغربية، تظافرت مبادرات الملك محمد السادس للحفاظ على معالم تراث اليهود في مجالات التعليم والثقافة بالخصوص، واعتمادها كأرضية لتجسيد قيم التسامح والتعايش في البلاد، كما يبرز رئيس الطائفة اليهودية بالدار البيضاء، الذي دعا بعض الدول الأخرى ومنها ألمانيا إلى الاقتداء بالمغرب، وإنشاء بيت للذاكرة اليهودية بها، الذي يعتبر خطوة نوعية تساهم في الحفاظ على تراث وتاريخ اليهود في البلاد، الذي يمتد إلى آلاف السنين.

قصة “بيت الذاكرة

في مدخل بناية “بيت الذاكرة” بمدينة الصويرة، كتبت كلمات “سلام لكولام، شالوم عليكم”. وهي مزيج من اللغتين العربية والعبرية وتعبر عن “التعايش” بين اليهود والمسلمين في مدينة الصويرة جنوب المملكة.

“بيت الذاكرة” هو ثمرة جهود ترميم دار عتيقة في “الملاح”، الحي اليهودي بالمدينة المطلة على المحيط الأطلسي. وتؤدي أزقة ضيقة متداخلة إلى الدار التي سكنتها قديما عائلة يهودية ثرية كانت تملك من المال ما يكفي لتقيم داخلها كنيسا صغيرا يغطي جوانبه خشب منحوت مستورد من بريطانيا.

 

وعلى أحد الجدران البناية العتيقة عُلِّقت لوحة توثّق أسماء يهود متحدرين من مدينة الصويرة عملوا مستشارين لدى ملوك المغرب على مر التاريخ، وفي أسفل القائمة اسم أندريه أزولاي الذي يتولى هذا المنصب منذ سنة 1991 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني والد الملك محمد السادس.

تقول سوزان، إن التاريخ المغربي شهد انصهارا تاما للثقافة اليهودية به، وأن الأجيال يجب أن تعرف تاريخها وتدافع عنه، وأن الملك أعطى قيمة كبيرة للتراث اليهودي بتدشينه “بيت الذاكرة” بالصويرة، كمركز لتخليد تقاليد وطقوس ثقافية واجتماعية وشعائر دينية وأنماط للعيش.

تتحدث سوزان بفخر كيهودية مغربية، وتقول: “نحن فخورون جدا، وهناك يهود أشادوا بهذا بالرغم من كونهم غير مغاربة، فقد شعروا بالقيمة التي أقرها ملك البلاد للتراث وتاريخ اليهودية بالمغرب. وتستدرك الفنانة المغربية قائلة: “بالفعل اليهود أغلبهم غادروا المغرب لكن ثقافتهم باقية وهي جزء من ثقافة المغرب. وهي ثقافة غنية ومتنوعة ويجب على الشباب الحفاظ عليها بما تشكله من تعايش وتسامح”.

إرتباط يهود المغرب ببلدهم الأصلي

لا توجد أرقام رسمية في المغرب حول عدد اليهود بالبلاد، فيما تقدر إحصاءات غير رسمية عددهم حاليا بثلاثة آلاف شخص إلا أنهم يعتبرون أكبر جالية يهودية في شمال افريقيا. وكان عدد اليهود المغاربة في أربعينات القرن الماضي يناهز 250 ألفا، أي ما يعادل حينها 10 بالمائة من سكان المملكة.

ويؤكد مؤرخون بالمغرب أن الدولة المغربية سواء في عهد الاستعمار الفرنسي أو بعد استقلال البلاد، ظلت تحافظ على تقاليدها بحماية اليهود وإبَّان الحرب العالمية الثانية رفض الملك محمد الخامس مضايقات حكومة فيشي الفرنسية التي تعاونت مع النظام النازي في ألمانيا، ضد اليهود المغاربة، وأكد ملك المغرب آنذاك أنه: “لا يوجد يهود في المغرب، هناك مغاربة فقط وكلهم من رعاياي”.

وتقديرا لدوره التاريخي في حماية اليهود في عهد الاستعمار الفرنسي ورفضه لإحداث مراكز اعتقال لليهود في مستعمراتها الأفريقية، أقامت إسرائيل سنة 1986 نصبا تذكاريا للملك محمد الخامس في مدينة عسقلان وأطلق عليه لقب”صديق الشعب اليهودي”.

وشهد عدد اليهود تناقصا في السنوات التي أعقبت الحروب بين إسرائيل وجيرانها العرب، سنة 1948 و1967 وصولا إلى 1973. ومع تنامي عدد اليهود المغاربة في إسرائيل، والذي يقدر حاليا بسبعة مائة ألف شخص، تزايد دورهم الانتخابي والسياسي بشكل ملحوظ في العقدين الأخيرين على المستوى الداخلي في إسرائيل، كما ساهم اليهود المغاربة تاريخيا في مد جسور العلاقات بين المغرب وإسرائيل. ولم تنقطع روابط المغرب بإسرائيل على إمتداد عقود من الزمن، سواء على الأصعدة التجارية والسياحية أو على سعيد الاتصالات السياسية، إذ لعب المغرب دور الوسيط في مراحل عديدة من تاريخ النزاع العربي الإسرائيلي.

وعلى غرار ارتباط اليهود المغاربة في مختلف أنحاء العالم ببلدهم الأصلي، يداوم سنويا آلاف من اليهود المغاربة بإسرائيل على زيارته سنويا، والمشاركة في مواسم الحج للأولياء والأضرحة، ومن أشهرها موسما “الهيلولة” و”ميموتة” وعيد “حانوكا”. ويوجد بالمغرب زهاء 500 مزار يهودي معظمها في جنوب البلاد.

وتحافظ مدن الصويرة و الدار البيضاء والرباط وفاس وتطوان ومراكش مكناس وصفرو، على معالم وأحياء “الملاح” التي عاش فيها تاريخيا اليهود في كنف التعايش مع مواطنيهم المسلمين ويشاركونهم التجارة والصناعة والأملاك وجميع أمور الحياة باستثناء الزيجات.

وبذكريات جميلة ربطتهم مع يهود بأحياء “الملاح”، يقول محمد، ثمانيني من منطقة تافيلالت: “عاش معنا اليهود لفترات طويلة، عملنا مع بعضنا ولم يكن بيننا خلاف، كانوا يتقنون التجارة والصناعة، وكنا نعمل بالزراعة والصناعة التقليدية”. من جهته الحاج موح، يقطن منذ نحو خمسين سنة بالصويرة، يرى أن اليهود يمثلون جزءََا من الذاكرة بمنطقة موكادور، الاسم التاريخي لمدينة الصويرة.

 

 

Leave A Reply