الخوف من الجفاف سر (تطبيع الجماهير المصرية )في سوق السبتية

 

في ظل تعثر المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، بشأن سد النهضة، خاصة بعد إعلان أديس أبابا ملء السد قبل نحو أسبوعين،وما أعقب ذلك من تصريحات اعلامية ورسمية إثيوبية اعتبرتها مصر مستفزة من بينها أن النيل أصبح (بحيرة إثيوبية)!.
ومع ذلك نفى الرئيس المصري ، نية بلاده الدخول في حرب ضد إثيوبيا ‎وأضاف عبد الفتاح السيسي أن مصر سوف تواصل التفاوض الدبلوماسي وان هذا التفاوض قد يطول.
وبعد تصريحات الرئيس المصري خرجت حملات إعلامية، وحكومية رسمية مصرية تعلن عددا من المبادرات الداعية لترشيد استخدامات المياه في مصر خاصة في المنازل، وهو ما ظهرت عليه ردود أفعال في عدد من وسائل التواصل الاجتماعي، لطرح مبادرات شعبية تساعد الدولة المصرية في حملتها الداعية إلى ترشيد استهلاك المياه، في حين رفض اخرون هذا الطلب- ترشيد استخدام المياه – ، وأكدوا على أحقية مصر التاريخية في مياه النيل ورفضوا القبول بالأمر الواقع.
ورغم تعالي بعض الأصوات الرسمية وغيرها في مصر لمقاطعة إسرائيل – دون سبب مفهوم رغم مرور 41 سنة على إبرام اتفاقية السلام المصرية مع إسرائيل- ورغم هذه الأصوات الرافضة للتطبيع، يكتظ سوق (السبتية) المصري بالمواطنين الذين يمتلكون حدائق في منازلهم أو منتزهات خاصة وقرى سياحية صغيرة، للبحث عن ما يسمى (رذاذ المياه الإسرائيلي) الموفر للمياه ويفضلونه في مصر عن رذاذات الحدائق الأخرى سواء كانت محلية الصنع أو أوروبية أو الصينية – رخيصة الثمن-.
ولم نتمكن من التحقق أن هذا الرذاذ المائي هو إسرائيلي الصنع بالفعل أو تقليد(صيني) للأصل؟ ونستبعد أن يكون مستوردا من الدولة العبرية لوجود عقوبات ومعوقات – معلنة وأحيانا غير معلنة- تمنع التعامل المدني المباشر مع إسرائيل.
والسبتية هو من الأسواق الشعبية المصرية القديمة بموقعه الفريد حيث يعتبر حلقة وصل بين كورنيش النيل وميدان رمسيس، اكتسب شعبيته لبيعه المواد المتمثلة في توريد الحديد المستخدم في ضخ البترول وشركات الضغط العالي والأشجار المستخدمة في القري السياحية وأدوات الري وغيرها.
وبصرف النظر عن كون هذا الرذاذ المائي إسرائيلي الصنع أو لا ، فالمهم هو الإقبال الشعبي الكبير على منتوج يشاع أنه صناعة إسرائيلية من أجل مصلحتهم وأمنهم المائي واقتصادهم ولتلبية نصائح الحكومة المصرية بترشيد المياه .
هذا الموقف الشعبي الحر يجعل الداعمين للسلام مندهشين من تصرفات مسؤولين رسميين عرب يتحدثون مع نظرائهم في أوروربا والولايات المتحدة، يقولون لهم “أن لديهم استعدادات كبيرة للتعاون مع إسرائيل في مجالات عدة ولكنهم يخشون من ردود أفعال شعوبهم(الغاضبة) التي ترفض العلاقات الطبيعية مع جيرانهم الإسرائيليين إلى حين حل القضية الفلسطينية”!… إلا أن البعض يعتبر هذا التبرير نوع من أنواع الابتزاز السياسي ،لا يصب في مصلحة الدول العربية وشعوبها،كما أنه غير معبر عن الارادة الحقيقة – غير الموجهة- للشعوب ،وذلك لعدة أسباب من أهمها أن الواقع اثبت في أكثر من مناسبة عكس ذلك، وقبل ثلاثة شهور فقط شاهدنا نتائج استطلاعات الرأي حول أراء الجماهير العربية بشأن موافقتهم من عدمها على استخدام لقاح يقي من فيروس (كورونا) اذا تم انتاجه في إسرائيل؟ ،وكانت النتائج مبشرة للغاية حيث أيدت نسبة كاسحة من الجماهير التي تمثل الشعوب العربية، قبول استيراد اللقاح الإسرائيلي واستخدامه .
وعلى اي حال، اعتقادي ان الطلب المصري من المواطنين بترشيد استخدامات المياه في المنازل، لن يحل الأزمة، خاصة إذا علمنا ان استهلاك مصر من مياه الشرب لا يزيد عن 12 مليار متر مكعب من المياه، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في القطاع الزراعي الذي يستحوذ على ما يقارب 85 % من حصة مصر المائية التي تصل إلى نحو 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا.
وهنا ومن خلال التصرفات العفوية للجماهير المصرية في سوق السبتية بعد اقبالهم على شراء رذاذ المياه (الإسرائيلي) لتوفير المياه، ينقل المواطنين الكرة إلى ملعب الحكومة المصرية، لأنه من المنطقي أن تلجأ الحكومة لتوفير عشرات المليارات من الأمتار المكعبة للمياه عن طريق توسيع التعاون وتعميمه في المجال الزراعي مع الجار الإسرائيلي.وكذلك كل الدول العربية التي تعاني من أزمة المياه.
فقد تمكن علماء إسرائيليون منذ عقود من تطوير طرق عصرية تتطور باستمرار لنظام جمع المياه واستخدامها لري المحاصيل في المناطق الجافة، وتستخدم حاليا في منطقة الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم. واستعانت اليابان بالتقنية الاسرائيلية في الري منذ سبعينيات القرن الماضي، ويطلق عليها تقنية (الري بالتنقيط) حيث يتم نقل المياه إلى التربة بواسطة القطّارات،و يتم تقطير الكمية الكافية من المياه في التربة لجعلها تحتفظ بالرطوبة المثلى التي تحتاج إليها على مدار اليوم. وهذا النظام يختلف عن نظام الري التقليدي الذي يجري فيه إغراق التربة بالمياه على فترات، والذي يتطلب استهلاك كميات أكبر من المياه والذي تستخدمه عدة دول عربية وأفريقية من بينها مصر حتى هذه اللحظة.
وجدير بالذكر أن مصر كانت الدولة الرائدة في زراعة القطن (طويل التيلة) الذي يحتاج إلى غزارة مائية بالطرق الاعتيادية، ويمكن لمصر أن تمتلك الريادة مرة أخرى في زراعة القطن وعدد هائل من المحاصيل الزراعية اذا توفرت لديها طرق عصرية في ري المحاصيل، وهي بالفعل متوفرة في الدولة الإسرائيلية التي تلتصق تماما بالدولة المصرية وتستفيد منها مصر بشكل محدود جدا.

Comments are closed.