شقّ مسار للسلام في زمن فيروس كورونا

 

بقلم البروفيسور : محمد الدجاني الداودي

 

أخذ انتشار كوفيد-19 العالم بأسره على حين غرة، حيث أطلق أزمة عالمية غير مسبوقة وأسفر عن أكثر من مئة ألف وفاة وعدد أكبر بكثير من الحالات الحرجة. ولا يُظهر الوباء أي مؤشرات على الانحسار وتقدّر أحدث التقييمات وفاة عشرات الآلاف قبل أن تتراجع وتيرته في نهاية المطاف. وكانت الضبابية والعزلة الناتجة عن الوباء قد تسببت بموجة واسعة النطاق من الخوف والقلق، وبخاصةٍ في الدول التي عجزت أنظمة الرعاية الصحية غير المتكافئة فيها عن أخذ انتشار الوباء على محمل الجدّ في مراحله الأولى – وإسرائيل لا تشكل أي استثناء.

فقد تزامن انتشار فيروس كورونا في إسرائيل مع الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ سنة، مما فاقم وضعًا متزعزعًا أساسًا. وقد شكّلت هاتان الأزمتان اللتان اندلعتا في ظل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تكاتف جهود إسرائيل و”السلطة الفلسطينية” من أجل تعقب ومعالجة وإجراء الفحوصات للكشف عن هذا المرض، وكذلك قدرتهما على تطبيق الإغلاق التام والتوجّه نحو “البقاء في المنزل” واستخدام الكمامات.

فمن جهة، تواجه الحكومة الإسرائيلية صعوبات من أجل تطبيق الإغلاق في الأحياء المتشددة. وهذا المجتمع لا يمثل سوى 12 في المائة تقريبًا من إجمالي الشعب الإسرائيلي ولكنه تأثّر بشكل غير متكافئ بانتشار الوباء، حيث سجّل نحو 75 في المائة من إجمالي عدد الإصابات في القدس. ويعزى هذا التفاوت جزئيًا إلى ميل الكثير من أفراد هذا المجتمع إلى العيش في مناطق مكتظة ضمن عائلات كبيرة حيث قلّل بعض القادة الدينيين من شأن خطورة هذه الأزمة. وعلى مقربة من بداية عطلة عيد الفصح اليهودي، وافقت لجنة وزارية على إغلاق أحياء القدس التي تسجل أكبر عدد من الحالات؛ يُذكر أن 12 من أصل الأحياء السبعة عشر الخاضعة حاليًا لإغلاق صارم هي مناطق ذات أغلبية متشددة. وانتقد سكان هذه الأحياء خطوة الإغلاق هذه باعتبار أنها تستهدف المجتمعات الدينية في إسرائيل بشكل غير عادل – مما يلقي الضوء على التوترات القائمة منذ فترة طويلة بين يهود إسرائيل المتدينين والعلمانيين. وتتنامى الضغوط على الحكومة الإسرائيلية للتخفيف من وطأة الإغلاق الذي يطال كامل البلاد وذلك لأسباب اقتصادية في الدرجة الأولى.

ومن جهة أخرى، شعرت الأقلية من الإسرائيلين العرب، إلى جانب السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية، بالإهمال بسبب تأخر وصول المعدات الطبية والمراكز المتنقلة لفحوصات فيروس كورونا إلى الأحياء العربية والقدس الشرقية. ولغاية الآن، أبلغ المجتمع العربي في إسرائيل عن حالات أقل مما كان متوقعًا، غير أن الخبراء في المجتمع يعزون هذه الأعداد القليلة إلى غياب مراكز فحص كورونا. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، بدأت إسرائيل بمعالجة مسألة التوزيع غير المتساوي للفحوصات من خلال إرسال محطات فحص متنقلة إضافية إلى المجتمعات العربية. وفي ظل إجراء المزيد من الأشخاص فحوصات كورونا، ازداد عدد الحالات المثبتة. كما كانت الحكومة الإسرائيلية موضع انتقاد بسبب تغاضيها عن الحواجز اللغوية المحتملة. على سبيل المثال، لا يتوفر بعد تطبيق الحكومة الخاص بالفوائد المقدّمة إلى العاطلين عن العمل نصوصا بالعربية، كما ان نماذج وزارة الصحة للإعلان عن الحجر الصحي المفروض من الحكومة، غير متوفر باللغة العربية بعد. وبصفتهم مواطنين إسرائليين، يتوقع الإسرائيليون العرب الحصول على معاملة متساوية خلال هذه الأزمة.

وبالنسبة للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، أدّت المخاوف حيال انتشار فيروس كورونا أيضًا إلى الوقوع ضحية انتشار الشائعات ونظريات المؤامرة. فقد اكتسبت هاتان الظاهرتان زخمًا على مواقع التواصل الاجتماعي على غرار “فيسبوك” و”تويتر” حيث يتمّ اتهام إسرائيل باستحداث هذا الوباء عالميًا. وبدأت شبكات التواصل الاجتماعي بنشر شائعات حول نظرية مؤامرة شريرة تفيد أن الحكومة الإسرائيلية تستخدم آلاف العاملين الفلسطينيين في إسرائيل من أجل نشر الفيروس المميت في أوساط الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لإبادة هذا الشعب. والطرفان يتهمان بعضهما البعض باستخدام الأزمة للمضي في أجندتهما السياسية المعادية للآخر.

وسط لجوء الناس بشكل متزايد إلى التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن العزاء والمعلومات في أوقات العزلة هذه، ليشهدون “حرب كلامية” أثارت الشكوك وتسببت بعدم الثقة في أوساط الجمهور – وبخاصةٍ في ما يتعلق باعتبار التعاون المعلن بين إسرائيل و”السلطة الفلسطينية” بمثابة مساعٍ مشبوهة للتطبيع.

وقد دفع ذلك بعض القادة الفلسطينيين إلى إعلان رفض أي نوع من التعاون مع إسرائيل لمحاربة فيروس كورونا. ولا تعكس هذه المخاوف واقع التعاون بين المسؤولين. ففي 24 آذار/مارس، أصدر “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة” (أوتشا) تقريره الأول عن حالة الطوارئ بشأن كوفيد-19، حيث أشار إلى أن “السلطات الفلسطينية والإسرائيلية حافظتا على تعاون وثيق وغير مسبوق بينهما”، وأن الحكومة الإسرائيلية سهّلت تنظيم ورش عمل تدريبية للفرق الطبية الفلسطينية وقدّمت أكثر من ألف معدات اختبار وأرسلت الآلاف من وسائل الوقاية الشخصية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. كما تلقت “السلطة الفلسطينية” أموال ضريبية بقيمة 25 مليون دولار من الاموال المحجوزة سابقًا لدى إسرائيل من أجل التخفيف من الأثار الاقتصادية للوباء على الفلسطينيين.

ومع ذلك، يمكن إثباط الأثر الإيجابي لهذا التعاون إذا لم يعتبره الشعب واقعًا. فلدى إسرائيل و”السلطة الفلسطينية” تجربة تاريخية في التعاون على صعيد الأمن والتجارة والمسائل المدنية، مما سهّل التعاون الحالي. لكن أمام إسرائيل أيضًا فرصة كبيرة لتحسين صورتها في أوساط العرب والفلسطينيين على السواء ودحض الشائعات المتناقلة. وبغية التقليل من وطأة الشكوك الكبيرة وتحسين صورتها، يتعين على إسرائيل اعتماد سياسة رسمية إنسانية في ما يتعلق بإطلاق سراح سجناء سياسيين فلسطينيين وخاصة المرضى والنساء وصغار السن.

وكانت العديد من منظمات حقوق الإنسان قد ضغطت على إسرائيل لإطلاق سراح أكثر السجناء تأثرًا بشكل فوري نظرًا إلى الميل المعروف لانتشار فيروس كورونا بين السجناء، وذكرتها في الوقت نفسه بحماية سلامة الذين سيبقون في الزنزانات. وفي أواخر آذار/مارس، أصدرت حركة “فتح” و”هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية” بيانًا مشتركًا يدعو المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان إلى مواصلة الضغط على إسرائيل لإطلاق سراح السجناء الذين قد يكونون معرضين بشكل أكبر للإصابة بالعدوى. في الوقت نفسه، مارست “فتح” بدورها الضغوط من أجل تحرير عناصرها من سجون “حماس” في غزة، في إشارة إلى أن هذه الخطوة قد تنهي الانقسامات بين الفلسطينيين.

يُذكر أن إقدام إسرائيل على تحرير بعض السجناء لن تكون خطوة فريدة في المنطقة – فقد دفع الفيروس العديد من الدول الأخرى في الشرق الأوسط إلى إطلاق سراح سجنائها من أجل التقليل من خطر الإصابة في السجون المكتظة. فقد أطلق الأردن الآلاف من السجون، معظمهم سجنوا بسبب ديون مدنية. كما أعلن كل من المغرب وتونس والجزائر عن عفو عن الآلاف من السجناء. حتى أنه تمّ إطلاق سراح أسرى في دول أوتوقراطية في أرجاء المنطقة؛ واستنادًا إلى تقارير رسمية، أطلقت إيران أكثر من 80 ألف سجين، بمن فيهم بعض السجناء السياسيين. واتخذت سوريا بدورها خطوات للقيام بالمثل، رغم أنها أطلقت المئات فحسب من سجونها المكتظة إلى حدّ كبير. واستمر الناشطون في التعبير عن قلقهم بشأن صحة وسلامة السجناء الذين لا يزالون يقبعون في تلك السجون. للأسف، لا يزال الآلاف من الصحفيين والناشطين في سوريا وإيران ومصر مسجونين.

رغم ذلك، أُتيحت أمام إسرائيل فرصة مهمة وسط التحديات التي تواجهها. لا شكّ في أن الاستجابة للأزمة الحالية لن تكون بسيطة أو سهلة، لكن لإسرائيل حيّز كبير لتحديد ما ستكون عليه حالتها بعد فيروس كورونا. ويتعين على السياسيين الإسرائيليين اتخاذ القرار بشأن ما إذا كانوا سيسمحون للتعاون الإنساني الحالي مع “السلطة الفلسطينية” برسم معالم سياسة جديدة إزاء الفلسطينيين أو ما إذا كانت الدولة ستعود إلى التوجهات نفسها من التحريض والعداوة والتوسع التي صبغت الصراع لعقود من الزمن.

في المقابل، على القادة الفلسطينيين التسليم بوجود فوائد عدة من جراء التعاون مع إسرائيل. في هذا السياق، كتب باحث فلسطيني على صفحته على “فيسبوك” ما مفاده ان “التطبيع يرمي إلى جعل الوضع القائم هو المعيار”. وأضاف أنه بالنسبة له وللفلسطينيين ومؤيديهم، فإن “التطبيع” هو “*أي* تفاعل ودي أو حوار مع *أي* إسرائيلي بـ*أي* طريقة كانت”. كما اعتُبر التطبيع بأنه عودة إلى الوضع الأصلي الذي كان قائمًا قبل الصراع. غير أنه في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لا ينطبق هذا التعريف. كما تمّ تعريف المصطلح أيضًا ليعني “الانتقال من حالة نزاع إلى حالة سلام طبيعية”. وهنا ثمة افتراض لا أساس له بأن تعريف التطبيع هذا يشير إلى قبول بالظلم والاحتلال. وتتبنى هذا التفسير مدرسة مناهضة للتطبيع، مدعومة من “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات”، لمنح مصطلح التطبيع دلالة سلبية من أجل الفوز بمؤيدين في أوساط الجماهير الفلسطينية والعربية. وعليه، من المهم أن يتوفر تعريف مشترك بين الجميع لاتخاذ القرار إما بدعم التطبيع أو بتأييد المقاطعة.

أما بالنسبة لصنّاع السلام، فيشير مصطلح التطبيع إلى بناء جسور من الثقة والتفاهم والتسامح والتعايش من خلال الحوار والتعاون بغية توحيد معسكري السلام الفلسطيني-الإسرائيلي المناهض للاحتلال والمطالب بإنهاء الصراع وتقويض معسكر الصراع المتطرف المطالب بـ “كل الارض”. ويرمي التطبيع في ظل إطار العمل هذا إلى تمهيد السبيل أمام سلام شامل مبني على العدل والاعتراف بالآخر والإقرار بالحقوق للطرفين وإنهاء العنف ووضع حد للتحريض والعداوة والكراهية. هذا هو الهدف من التطبيع. فهو لا يرمي إلى ترسيخ الوضع القائم بل إلى تحويله إلى واقع أفضل. لهذا السبب يحمل التطبيع دلالات إيجابية. ففي حين كان التطبيع يوصف ببساطة خلال الفترة التي سبقت اتفاقات أوسلو بالتعاون مع العدو للحفاظ على الوضع القائم من الاحتلال، غير أنه على ضوء عملية السلام في إطار اتفاقيات أوسلو، بات يحمل مضمونًا مختلفًا أكثر إيجابية يبدّل العلاقة الإسرائيلية-الفلسطينية من علاقة احتلال-محتل وظالم-مظلوم إلى شركاء في علاقة تحقيق السلام.

ولموجبات الحجر الصحي وجه إيجابي آخر – فقد منحت جميع الذين التزاموا منازلهم فرصة للتأمل والتفكير والتساؤل عما إذا كان عالم ما بعد فيروس كورونا يقتضي ان يكون كما كان قبله. هل يجب أن نعود إلى الصراع والعداوة والتشدد التي طبعت عالمنا ما قبل الوباء أو أن نتعظ ونصبح أكثر فهماً ونخلق عالمًا أكثر إنسانية وسلامًا نفتخر بتركه تراثا لأحفادنا؟

إن كافة الأشخاص المعنيين بهذا الأمر يتحملون مسؤولية جديدة للحفاظ على روح التعادلية والتعاونية في عالم ما بعد فيروس كورونا. ولا شك في أن الأثر السلبي لهذا الوباء سيكون أقل بكثير إن كان الطرفان في معسكر واحد يحاربانه معًا. فربما ما من سلاح أقوى من الإثبات الذي قدمه فيروس كورونا على ضرورة العمل معًا والتعاون لإنقاذ أرواح الناس بما يصب في مصلحة الجميع. وفقط من خلال التخلي عن سمات العداوة والضغينة والعناد التي طبعت الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني سنتمكن من التكاتف لنعيش بأمن وسلام. وإحتراماً لذكرى ضحايا هذا الوباء وتكريمًا لذكراهم، علينا جميعنا استغلال هذا الوقت للتفكير في بناء جسور لعالم أفضل يعمّ فيه السلام والمحبة.

وفي أرجاء منطقة الشرق الأوسط، علينا التوقف عن اللجوء إلى القوة العسكرية لحل صراعاتنا ومنح الأولوية للحوار والدبلوماسية. فالعقل والمنطق يدعواننا إلى وضع خلافاتنا جانبًا في وجه هذا العدو المشترك.

والأهم أن العبرة المستقاة هي تحويل سردياتنا الجماعية المتّسمة بالتبشيع والإقصاء والفصل لتصبح سردية مشتركة تقوم على الانتماء والتعلق بالقيم التي نتشاركها. وسيعني خلق هذا العالم الجديد اعتماد وجهات نظر معتدلة تتكيف مع الآخر وتتقبله. ولسنا بحاجة لأن نصاب بهذا الفيروس كي نقدّر قدسية الحياة وندرك أنه من الأفضل لنا أن نعيش بسلام وليس بصراع – الآن أمام الإسرائليين والفلسطينيين فرصة ذهبية ليكونوا عبرة للآخرين.

Comments are closed.