الإرهاب يستغل جائحة كوفيد-19 لفرض أجنداته الظلامية

 

في ظل انشغال العالم بالتصدي لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) والظروف الناشئة عنها ووصول حالات الإصابة به إلى عشرات الملايين، يتحين الإرهابيون الفرص لفرض أجنداتهم الظلامية وتنفيذ عملياتهم الإجرامية التي يذهب ضحيتها أناس أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وُجِدوا صدفة في المكان، أو أشخاص يؤدون واجباتهم في خدمة مجتمعاتهم وأوطانهم، ليؤكدوا مرة بعد أخرى عداءهم وكراهيتهم للحياة، ورغبتهم في إحلال الخوف والدمار محل الأمن والتقدم والازدهار.

وليس غريبًا على أناس تنازلوا عن آدميتهم وباعوا ضمائرهم بأبخس الأثمان ورهنوا عقولهم وخانوا أوطانهم، أن تتبلّد مشاعرهم وتقسو قلوبهم إلى درجة يصبح فيها القتل والإفناء شعارًا لهم، وهدم الأوطان هدفًا نهائيًا لكل مخططاتهم، وألا يتورّعوا عن السقوط في مستنقعات العمالة والتطوّع لتنفيذ رغبات ومخططات أصحاب المشاريع الحالمة بالهيمنة والنفوذ، أو أن يعملوا مرتزقةً مستأجَرين لقوى الشرّ التي تتربص الدوائر بكل تجربة ناجحة، وتسعى إلى تقويض مساعيها للتطور.

وعلى الرغم من أنهم يطرحون في بعض الأحيان شعارات براقة ويدّعون زورًا وبهتانًا وكذبًا أنهم يدافعون عن مبادئ وقيم ومعتقدات، أو يسعون إلى رفع ظلم واسترداد حقوق، فإن المؤكّد وفقًا لشواهد التاريخ ونتائج التجارب أن الإرهابيين لا يحملون بأي حال من الأحوال مشروعًا ولا رؤية ولا منطقًا ولا حجة، ولو كان لديهم أي من ذلك لامتلكوا الشجاعة للمواجهة والمقارعة بالرأي والمنطق، ولتمكنوا من استقطاب الناس وإقناعهم، ولما لجأوا إلى العمل في العتمة كما خفافيش الليل معتمدين الغدر منهجًا، والطعن في الظهر أسلوبًا.

لقد تجاوز الإرهاب ومعتنقوه كلّ الحدود وارتكبوا الموبقات ولم يراعوا حساسية الظرف الذي تعيشه الإنسانية كلّها، وها هم يعودون في غير مكان من العالم ليطلّوا برؤوسهم وينشبوا مخالبهم في لحوم الناس برغم الجهود الكبيرة التي تبذلها دول العالم العربي والعالم الغربي للتخلص من هذه الآفة والقضاء عليها، فقبل أيام فقط  قَتل الإرهاب 12 جنديًا في مالي، ومنذ أيام معدودات فقط كشفت أجهزة الأمن السعودية عن إحباطها مخططات لعدد من العمليات الإرهابية كانت على وشك التنفيذ باستخدام نحو 49 طنًا من المواد المتفجرة، وهذا غيض من فيض، يؤكّد أن العالم لا يزال بحاجة إلى المزيد من التعاون بين دوله ومنظماته للتوصل إلى آليات أكثر فاعلية تسهم في اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها، وبحيث تشمل هذه الآليات مقاربة شاملة ومتكاملة تقدم وصفة علاجية وبروتوكولًا دقيقًا وواضحًا يمكن لدول العالم كافة اعتماده واتباعه، وبحيث لا تقتصر محاربة الإرهاب على العمل العسكري والأمني والاستخباراتي فقط، بل أن تتوسع لتتناول مسبّبات الظاهرة ودوافعها والظروف التي تدفع الكثير من الأشخاص نحو التطرف، ثم العمل بشكل أكثر حزمًا وجدّية لتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وملاحقة الدول المارقة والمنظمات والأشخاص الذين يسهلون ويقدمون التمويل، ومحاربة الاتجار بالبشر وعمليات غسل الأموال وزراعة وصناعة وتهريب بالمخدرات، وغيرها من الوسائل التي تستغلها الحركات الإرهابية للحصول على الأموال اللازمة لتغطية أنشطتها.

وفي الجانب الفكري فإن المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن تتوصل دول العالم إلى اتفاق شامل لتعريف مصطلح الإرهاب، وتحديد السلوكيات والأعمال والتصرفات التي تصنف في إطاره، وكذلك تأكيد تجنب إلصاقه بدين أو طائفة أو عرق معين، والتعامل معه على أنه ظاهرة أو سلوك شاذّ ودخيل على الطبيعة الإنسانية، ناتج عن ظروف وعوامل متعددة وانحرافات سلوكية وشذوذ فكري، وتأكيد ألا دين له ولا جنسية ولا عرق.

كما أن محاربة الإرهاب تتطلب تعاونًا دوليًا وإقليميا فاعلًا لمحاربة الفقر والمرض والجهل، وهي آفات ثلاث تشكل بيئات خصبة وثغرات تستطيع من خلالها الحركات الإرهابية ودعاتها النفاذ منها إلى قلوب الشباب وعقولهم لاستقطابهم إما من خلال الإغراءات المادية، أو استغلال احتياجاتهم الحياتية للمال أو العلاج أو العمل، ودغدغة عواطفهم بالاعتماد على نقص الحصانة الفكرية نتيجة عدم تلقيهم التعليم الكافي ومحدودية قدرتهم على التمييز بين ما هو حقيقيّ وما هو مزيف، فالقضاء على هذه الآفات كفيل بإغلاق الباب أمام الأفكار الهدامة والمساعي التخريبية لغزو العقول والأفكار.
مطلوب جهد دولي وإقليمي فاعل ومشترك يعالج هذه المشكلة من جذورها، ويوقف عبث الإرهاب الذي لا تكاد دولة في العالم تسلَم من أذاه أو تخلو منه، لأنّ مواصلة التعامل مع القشور ليست سوى إهدار للطاقات وتضييع للوقت يقودان إلى إزهاق المزيد من الأرواح البريئة.

Comments are closed.