المجلس العربي للتكامل الإقليمي من لندن إلى باريس

0

 

من داخل البرلمان الفرنسي تحدث صناع السلام عن مشاريعهم مطالبين بإصدار تقرير سنوي عن إجراءات تجريم الحكومات العربية دعاة السلام مع الإسرائيليين ومواجهة ما يسمى «قوانين مكافحة التطبيع«.

«المجلس العربي للتكامل الاقليمي« مبادرة جديرة بالاهتمام والمتابعة، كانت ولادته بمدينة الضباب لندن في شهر نوفمبر الحادي عشر 2019 وقد صادف هذا التاريخ مبادرة السلام التي قام بها الرئيس المصري أنور السادات. ولكن هذا المجلس وبأعضائه الـ32 أكد للملاحظين والمتابعين، ثم من بعد ذلك الشعوب العربية والعالمية، بأنه منفرد.. ويتجلى انفراده، أو بالأحرى تميّزه، بأن لديه أعضاء كلهم عرب ولا يوجد بينهم إسرائيلي واحد.. وهم من بلدان مختلفة حملوا معهم هموم شعوبهم، كاسرين حدود الخوف، متحدّين ما يمكن أن يتعرضوا له من شتم أو تخوين او حتى تصفية جسدية. اجتمعوا ليقولوا: نعم للتعامل الطبيعي مع إسرائيل.. نعم حتى يكون هناك تعاون مع كل بلدان الاقليم من دون إقصاء حتى تزدهر المنطقة وتنتعش الدول النامية..

كان اجتماعه الأول عبارة عن «مفاجأة «للبعض لكنه حقيقة وحلم بدأ يتحقق لصناعه. وبعد مرور المؤتمر بنحاح ولقي الانطباع الجيد من قبل بعض المسؤولين في اوروبا والولايات المتحدة وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي بومبيو الذي نشر تغريدة يثمن فيها مجهود هذا المؤتمر وأهميته في المنطقة.

لم يقف المجلس في لندن بل واصل زحفه نحو النجاح وكان اتجاهه هذه المرة نحو البرلمان الفرنسي ثم الإليزيه ثم الخارجية الفرنسية.

لنبدأ في البداية مع البرلمان الفرنسي حيث تجمع أعضاء المجلس 11 فبراير(شباط) الماضي وقاموا بالتناوب بالحديث عن مشاريعهم وأهدافهم، وتحدث كل واحد عن بلده وعن سبب انضمامه للمجلس وأهدافه المستقبلية أمام أعضاء البرلمان الفرنسي والوزراء ووسائل الإعلام المحلية والعالمية. وكان الجو يسوده الكثير من الإيجابية حيث أعجب الحاضرون بما قدمه الأعضاء.. فقد كان لوزير  الإعلام الكويتي السابق سامي النصف البداية إذ قام بتقديم نفسه للحضور،  وبادر بالقول: إن البرلمان الفرنسي يستطيع  تقديم خدمة إنسانية استثنائية من خلال إصدار تقرير سنوي عن إجراءات تجريم الحكومات العربية دعاة السلام مع الإسرائيليين، لمواجهة ما يسمى «قوانين مكافحة التطبيع» والتي لا تزال سارية في العديد من الدول العربية، تتعارض مع مصلحتنا الوطنية، وتحظر الاتصال الإنساني بين شعوب المنطقة وتجعل الدعوة إلى السلام أو مقابلة شريك إسرائيلي محتمل جُرماً تتراوح عقوبته من السجن إلى الإعدام.

كما أكد أن الهدف المشترك بين عضوات وأعضاء «المجلس العربي للتكامل الإقليمي»، هو الالتزام بالعمل على دفع كل شعوب المنطقة للمشاركة  في عملية السلام والتنمية.

– أما بالنسبة لعضو البرلمان المصري السابق وابن أخ صانع السلام أنور السادات ورئيس حزب الإصلاح والتنمية  السيد محمد أنور السادات ذكر في مداخلته قائلا: قبل 41 عاماً، وقع عمي، الرئيس المصري أنور السادات، معاهدة سلام مع نظيره الإسرائيلي. لكنه منذ ذلك الحين «سلام بارد» بين الحكومات والقطاعات الأمنية والنخب الاقتصادية. المجتمع المدني داخل بلدنا لم يصبح جزءاً منه.

– كما أنه لم يخف أن لديه تحفظات جدية بالنسبة لمحتوى مبادرة ترامب للسلام: نريد أن يدرك الشعب الفلسطيني تطلعاته المشروعة إلى دولة مستقله وحياة أفضل. نحن نؤمن بأن تمثيل اوسع للجهات الفاعلة – بدءًا بالفلسطينيين أنفسهم – يجب أن يصبح جزءًا من هذه العملية.

– وقد واصل مداخلته بقوله: جئت إلى البرلمان الفرنسي كي أؤكد من جديد على الحاجة لـ«تدفئة السلام». فقط الارتباط المباشر بين الشعب الإسرائيلي وجيرانه يمكنه أن يبرز أفضل ما في القيادة ويؤمن الحماية من الأسوأ. نحن بحاجة إلى تعزيز الظروف التي ستدمج الطاقات الواعدة في عملية التطوير والحفاظ على منطقة أكثر سلاما.

وكان من بين الحضور شباب طموح من بينهم الشاب التونسي أسامة السلمي وهو مهندس ابتكاري استطاع بانضمامه للمجلس أن ينقل كذلك معاناة جيله من المتخرجين الذين يحملون أفكاراً لكنهم لم يجدوا الارضية المناسبة لتحقيقها وقد شرح في مداخلته مشروعه والواقع المعاش في بلده:

– أنا أعمل على مشروع لتطوير بلدي واقتصادها من خلال تحسين الطاقة (البنية التحتية المائية والكهربائية). يشير بحثي إلى أن الخبرة التي أحتاج إليها لتحقيق هذه الرؤية متوفرة فقط في إسرائيل، وأنه من خلال الشراكة المدنية مع المتخصصين الإسرائيليين في هذه المجالات، يمكننا تحقيق فائدة ملموسة وكبيرة.

لكن بعض النخب السياسية في بلدي تعارض هذا النوع من التقدم. إنهم يحرضون ضد أي تونسي يسعى لإشراك الإسرائيليين بأي طريقة رغم وجود تاريخ لليهود في تونس يعود إلى ما قبل الميلاد، وما سجله التاريخ من مشاركات لليهود التونسيين في التنمية طيلة عدة قرون قبل تهجيرهم قسراً في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

سياسيون يحاولون الآن إعادة وضع قانون يعتبر أي شخص يلتقي بمواطن إسرائيلي بأنه «خائن» ويعاقبه بالسجن. فكروا في المفارقة: ذهب عشرات المتطرفين التونسيين إلى سوريا والعراق لقتل الأبرياء، ثم عادوا إلى ديارهم لارتكاب أعمال إرهابية أودت بحياة المزيد من الناس ودمرت السياحة التي هي العمود الفقري لاقتصادنا. لا يوجد أي اقتراح في تونس لقانون يعتبر هؤلاء الارهابيين «خونة». لكن إذا أردت أن أخدم بلدي، وأعتقد أن القيام بذلك يستلزم الاتصال بالإسرائيليين، فإن وطنيتي سوف تُحتقر، وربما سأعاقب.

أما الصحفي الشاب الجزائري سامي بعزيز لم يختلف كلامه كثيراً عما قاله زميله التونسي إذ ذكر الصعوبات التي يواجهها جيله خصوصاً في مهنته، ألا وهي السلطة الرابعة. وتحدث بعزيز عن ذلك قائلاً:  تواصل وسائل الإعلام في بلدي الاتجار بالصور النمطية المعادية للسامية ونظريات المؤامرة حول اليهود. وتحرض على العنف ضد المواطنين الإسرائيليين واليهود عموماً. على مدى أجيال، كان هذا المحتوى بمثابة أداة لتجاهل المشاكل الداخلية من فساد وانتهاك حقوق الإنسان. لقد ربّى هذا المحتوى عقلية انهزامية وساهم في ثقافة التطرف. لقد جعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لنا لحل مشاكلنا الخاصة، وإشراك جيراننا والعالم من حولنا بصوره ناضجه.

في رؤيتي مشروع لإصلاح هذا الوضع من خلال تثقيف جيل الإعلام القادم في بلدي.. سيكون الهدف اظهار الحقيقة حول إسرائيل وشعبها واليهود. أعتقد أن القيام بذلك سوف يسهم في السلام المدني داخل الجزائر وسلام أوسع في المنطقة. سيمكننا ذلك أيضًا من التفكير في تحدياتنا المحلية بطريقه تحليلية وبناءة، وبالتالي سنتمكن من ابتكار حلول واقعية لمشاكلنا.

سيكون من الطبيعي، عند الشروع في مثل هذا المشروع، أن نتواصل مع خبراء في التاريخ الإسرائيلي واليهودي، وكذلك خبراء في مجال إصلاح وسائل الإعلام. كثير من هؤلاء هم بالطبع مواطنون إسرائيليون. ومع ذلك، فإن قوانين بلدي تمنعني حتى من مقابلتهم، ناهيك عن الشراكة معهم.

نحن بحاجة إلى التغلب على هذه المشكلة، وهذا هو سبب وجودي هنا اليوم.

أما الشابة المصرية إجلال غيته وهي محامية مولودة في بريطانيا لوالدين مصريين تحدثت بطريقة مختلفة، بحكم موقعها في أوروبا، عن سبب انضمامها وحضورها الى باريس. فقد تحدثت عن حركة المقاطعة BDS ، التي يقودها في المقام الاول غربيون، بنسخ عادة المقاطعة من العالم العربي، وهذه الحركة تسببت، على مدار تاريخها الممتد منذ 70 عامًا، في أضرار لا حصر لها للمجتمعات العربية. من ناحية، فشلت المقاطعة في هزيمة الإسرائيليين، بل أنها ألهمت ردود الفعل الإسرائيلية المبتكرة التي نشطت اقتصاد ومجتمع بلادهم.

– كما وضحت أن مقاطعة إسرائيل أصبحت نموذجًا للمقاطعات الداخلية الجديدة داخل الدول العربية: الانقسامات العرقية والطائفية أصبحت أكثر قسوة، مما عجل في تفكك سوريا والعراق وليبيا واليمن.

– كما ذكرت أن  العرب خسروا جراء المقاطعة الفوائد الاقتصادية التي قد تنتج من شراكات مع الإسرائيليين بأنهم فقدوا الفرصة ليكونوا قوة للسلام والمصالحة بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال العلاقات المدنية والصداقة بين الجانبين.

الفنان والملحن والموزع التونسي نعمان الشعري يقول: أنا مواطن تونسي، ملحن موسيقي وفنان. أعتقد أن الموسيقى، اللغة العالمية، يمكن أن تجمع الناس. في العام الماضي، سعيت إلى الاعتماد على هذا المبدأ من خلال بناء تعاون موسيقي مع مطرب إسرائيلي. أود الآن أن أخطو خطوة أخرى إلى الأمام من خلال إنشاء أوبرا شرق أوسطية – إنتاج مشترك يشارك فيه الفنانون من المنطقة لإحياء تراثهم الموسيقي المشترك.

فكروا في العقبات الكثيرة التي تقف في طريق مثل هذا المشروع: الحروب، الحرب الأهلية، ثقافة التطرف والإقصاء. عندما نسعى لإنهاء أعمال الانتقام الحكومي من العرب الذين يجتمعون مع الإسرائيليين، نعلم أن هذا مجرد إجراء لا حصر له من الإجراءات التي ستلزم لإحلال السلام والازدهار في منطقتنا. لكن طرد اليهود الأصليين من منطقتنا – متبوعاً بتجنب الشعب الإسرائيلي – هو أقدم وأطول عملية إقصاء في تاريخنا الحديث. طرد اليهود افتتح سياسة إقصاء طالما طالبت بأهداف أخرى. ولذا نشعر أن هناك معنى خاصاً وأهمية لقطع هذه الآفة من أساسها.

أما المستشارة الحقوقية من الامارات العربية المتحدة والناشطة المدنية والملتزمة بالنهوض بالمجتمع، مريم الاحمدي، فقد كان لها رأي مختلف في طرحها لمداخلتها. فقد أبرزت بأنها مؤمنة بأن المرأة هي الاساس لإقامه السلام. ولم تخف فخرها بأن العديد من زملائها في المجلس العربي هن من النساء، وأشارت الى زميلتها التي لم تكن موجودة ضمن الحضور سلوى سيف، وهي ناشطه مدنية إماراتية أخرى، ترغب في تهيئة الأطفال ليكونوا الجيل القادم من صانعي السلام.

كما ذكرت أنه في العام الماضي، أعلنت قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة (عام التسامح)، ودعمت نشاطات بين الأديان وبين الثقافات لجمع المسلمين والمسيحيين واليهود. هذا العام، في خطوة أخرى إلى الأمام، سوف ترحب بلادي بالإسرائيليين في القطاع الخاص، والتكنولوجيا، والثقافة، والفنون للمشاركة في معرض إكسبو 2020 في دبي.

– المستشارة الحقوقية الاماراتية مريم الأحمدي ختمت مداخلتها قائلة: آمل وأعتقد أن الدول الأخرى في المنطقة ستقتدي بتجربة الإمارات من خلال تمكين المواطنين صناع السلام متابعة أهدافهم. أعتقد أن صوت البرلمان الفرنسي يمكن أن يساهم كثيرا في تشجيع هذا التقدم.

اما الباحث الاكاديمي الفلسطيني محمد الدجاني الداوي المقيم في القدس، وهو أستاذ جامعي، ومؤسس حركة مدنية لتعزيز السلام والتفاهم بين الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني، فإن مداخلته تعتبر مهمة جدا لكونه موجوداً في مسرح الأحداث، وموقفه أصعب من بقية الأعضاء، ويقول عن ذلك: لقد واجهت في مجتمعي انتقادات بسبب دفاعي عن الحوار الناعم والبحث عن المعرفة. الانتقادات في الغالب من عناصر متشددة تعتقد أننا في وضع أفضل إذا قمنا بمقاطعة الإسرائيليين وعزلهم واستبعادهم. لكنني أؤكد أن الحوار والمشاركة هما السبيل الوحيد للمضي قدماً بالنسبة لنا جميعًا. يجب أن يكون السبب واضحًا: إنها صفه عالمية للطبيعة البشرية وهي أن العداء والإقصاء يولدان الغضب والعناد، في حين أن الصداقة والإدماج يوصلان للحل الوسط والثقة. وهذا ينطبق على الإسرائيليين بقدر ما ينطبق على الفلسطينيين.

وأضاف الداوي: اقترحت في الاجتماع الافتتاحي للمجلس العربي للتكامل الإقليمي خططاً لأول برنامج يؤهل لدرجة الدكتوراه في دراسات السلام والاعتدال والحوار بين الأديان والمصالحة. لتنفيذ هذه المبادرات، نحتاج جميعًا إلى الفرصة لأداء عملنا من دون مضايقة أو خوف من العقاب. تشكل (قوانين مكافحة التطبيع) المزعومة تحدياَ كبيراَ للعديد من الأشخاص في المنطقة الذين يرغبون في المشاركة معنا والقيام بذلك بشكل مفتوح.

ومن جانبها سردت الباحثة الأكاديمية سناء واجد علي، وهي ناشطة مدنية عراقية تقيم في برلين، قصتها المؤثرة لتقول: أنا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسقط رأسي في مدينة كربلاء التي أزورها من حين لآخر لإلقاء بعض المحاضرات للنخب المجتمعية بالمدينة المقدسة. عندما جئت إلى برلين كلاجئه عراقية، توجهت إلى آخرين لمساعدتي في إعادة بناء حياتي. الأشخاص الذين جاءوا من أجلي كانوا عائلة يهودية مع العديد من الأقارب الإسرائيليين. تاريخ النزوح المشترك لهؤلاء الأشخاص ألهمهم لمعاملتي بالرحمة والعناية التي حرم منها اليهود خلال التاريخ. وبالتعرف عليهم، اكتشفت مدى التضليل حول حياة اليهود وإسرائيل، واكتشفت إنسانيتنا المشتركة.

وتحدثت الباحثة العراقية عن مشروعها قائلة: أقوم بتطوير مشروع مع زميلي في المجلس العربي للتكامل الإقليمي الأردني عبد الله صوالحة، لاستحداث مركز جديد للدراسات الإسرائيلية في العراق. لينقي أجيالاً من الأكاذيب حول إسرائيل وشعبها من خلال إجراء أبحاث موضوعية وتعليم اللغة العبرية. لكن القوانين العراقية التي تجرّم التواصل بين العراقيين والإسرائيليين، تشكل عقبة رئيسية أمامنا.

هذه كل المداخلات التي قام بها أعضاء المجلس أمام البرلمان الفرنسي. وبالرغم من اختلافها حسب اختصاصتهم، إلا أنها تصب في مفهوم واحد هو التعامل الطبيعي مع إسرائيل من دون خوف أو تخوين..

وفي اليوم الثاني من الزيارة، قام الوفد بزيارة قصر الإليزيه بدعوة من مستشار الرئيس الفرنسي الذي رحب بهم  ودار حديث بينهم، وقام الأعضاء بالتعريف بأنفسهم مع ذكر أهم نقاط عن مشاريعهم ليختتم اليوم بجلسة مع مستشار وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط الذي بدوره تعرف على المجموعة ودار نقاش بينهم في ما ذكروه من مشاريع وأهداف وثمن افكارهم وشكرهم على شجاعتهم وتمنى لهم التوفيق والنجاح.

وهكذا انتهت زيارة باريس ورجع  الأعضاء إلى بلدانهم وقد ازدادوا قوة وعزماً وشجاعة لما لمسوه من نجاح خلال إعجاب وتشجيع من أهم السياسيين في أوروبا.. آملين في غد مشرق.

Leave A Reply

Your email address will not be published.