حالة السلام الحالية بين إسرائيل والعالم العربي

0

بقلم: محمد أنور السادات

تقدم هذه الورقة تحليلاً لوضع السلام الحالي بين إسرائيل والعالم العربي، مع تركيز مخصص على مصر. وهي بالتالي تعدد التوصيات لتحقيق سلام دائم بين البلدين. كنا قد درسنا الإجراءات السابقة التي اتخذها كلا الطرفين، والتي أعاقت الوفاق في حينها. وقمنا بتطوير اقتراحات تشجيع السلام من خلال استخدام هذه الحالات التاريخية وغيرها. وتشير نتائجنا إلى أن حكومتي إسرائيل ومصر فشلتا في إشراك شعبيهما في عملية صنع السلام. كما أن النتائج سلطت الضوء على غياب في الحكم المسؤول وانعدام الثقة بين البلدين. من وجهة نظر صناع السلام، فإن هذه الدراسة تبرز ضرورة إشراك السكان في هذه العملية، إلى جانب الحاجة الملحة لبناء الثقة بين الحكومات وتبنّي إصلاحات الحكومة المسؤولة.

صادف شهر آذار الماضي ذكرى مرور أربعين عاماً على تصديق معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وكانت هذه الذكرى بمثابة مناسبة لتقييم نقدي وفعال للاتفاقية وأيضاً لتقييم آثارها على عملية صنع السلام بين العرب وإسرائيل.

أعطت المعاهدة وعوداً أولية بشأن إنهاء حالة الحرب بين الجانبين وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية رسمية بينهما. وعلاوة على ذلك، فإن المصادقة على اتفاق مشابه بين إسرائيل والأردن في أكتوبر 1994، وأيضاً التوجه المتحمس مؤخراً في العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، تدلّ على أن عملية السلام العربية الإسرائيلية تتحرك في اتجاه إيجابي. وبرغم ذلك، فإن حالة اللااستقرار في العلاقات بين هذه الدول، وبالتالي اندلاع العنف بانتظام في المنطقة، تشير إلى أن استدامة السلام لم تتحقق حتى الآن. ومواطن العجز والقصور لها جوانب عدة:

أولاً: مع أن المعاهدات التي تم توقيعها بين الأطراف الفاعلة قد تعهدت بإبرام حالة من الوفاق الثنائي، إلا أنها حققت باقة من علاقات السلام الباردة في أحسن الأحوال. وإن هذا التقييم المختلط يعكس الحقيقة المختلطة التالية: إن توقيع المعاهدات يضفي صبغة نوايا حميدة، ولكن النوايا ليست ذاتية التنفيذ، بل إنها تتطلب تخطيطاً وتنفيذاً وصبراً وتصنيفاً. ويعزى الفشل في هذه الحالات، ضمن مهمة التخطيط المفاهيمي في جزء كبير منه إلى الجانب السلبي للمزيج. إذاً، يتعلق فشل كهذا بانعدام وجود أي تفكير جدّي حول كيفية دمج السكان الإسرائيليين والمصريين والأردنيين في عملية التنفيذ. باختصار، إن ما تم هو القليل في التفكير في كيفية تحويل سلام النخب إلى سلام للشعوب.

يمكننا هنا أن نتعلم شيئاً مفيداً من خلال دراسة هذا الفشل. نستطيع، لحسن الحظ، أن نتعلم إعادة هندسة تجربتنا، إلى حد ما على الأقل. لو كانت الحياة السياسية مسجلة على شريط فيديو، لأمكننا حينئذٍ استرجاعها وتعديلها. لكنها ليست مسجلة على شريط فيديو. مع ذلك، يمكننا أن نقوم بشيء آخر أفضل من ذلك، ألا وهو مراجعة الفيلم واتخاذ القرارات الأنسب مستقبلاً.

لذلك يبدأ هذا المقال بدراسة الأسباب المؤدية إلى نجاح جزئي لعملية السلام، مع التركيز بشكل أساسي على دولتي مصر وإسرائيل. والمقال يقوم، على أساس هذا التحليل، بتقديم مجموعة من المقترحات الهادفة إلى تحسين الصداقة والسلام بين مصر وإسرائيل، والتي تصبو، على نطاق أوسع، إلى تحقيق المزيد من احتمالات السلام في الشرق الأوسط.

إن اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية، التي تم توقيعها في شهر آذار من عام 1979، تتضمن تسع مواد وملحقين يوردان بالتفصيل الترتيبات الأمنية ووضع شروط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديدة بين البلدين. بالإضافة إلى المعاهدة، فقد وقع البلدان مذكرة اتفاق مع الحكومة الأمريكية التي تحدد التزامات كلا الطرفين تجاه المعاهدة في حال انتهاكها، ودور الأمم المتحدة في المساعدة في تطبيق الملحق. ويتضمن الاتفاق، علاوة على ذلك، حزمة مساعدات عسكرية واقتصادية أمريكية لمصر، وأيضاً اعترفاً بخليج العقبة ومضيق تيران كممرات مائية دولية ومنح إسرائيل الحق في عبور قناة السويس بحرية (لابيدوث، 1983). الشيء الأهم من ذلك هو أن الاتفاق ختم لحظة في تاريخ الشرق الأوسط والعالم بأن جعل مصر أول دولة عربية تعترف بدولة إسرائيل.

على الرغم من أن هذه المعاهدة قد نشطت العلاقات بين إسرائيل ومصر من خلال إقامة علاقات دبلوماسية وتقديم خدمات جوية مباشرة، إضافة إلى الاتصالات البريدية، إلا أنها فشلت في خلق بيئة سلام بين البلدين، والأهم من ذلك، بين الشعبين. فيوضح «حادث إيلات» الأخير، وحادثة نهب السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وتخريب خطوط أنابيب الغاز في سيناء، هشاشة السلام الثنائي (بيلهام، 2012).

تعتبر أسباب القصور التي حالت دون تحقيق السلام، من مسؤولية الطرفين. ولفهم أسباب ما حصل، يجب علينا استجواب دوافع وتوقعات الجانبين اللذين أوغلا في الدبلوماسية التي أدت إلى معاهدة السلام.

إن السياق التاريخي للوحدة العربية، ونكسة حرب 1967، وتردّي الاقتصاد المصري ساهم مساهمة كبيرة في إحداث شعور بالهزيمة الوطنية في مصر. (بار جوزيف، 2006، ص 547). كل ذلك وإدراكاً للتكلفة التي ستتسبب بها الحروب المستمرة مع إسرائيل فقد بدأ الرئيس أنور السادات عملية السلام على الرغم من علمه أن القيام بذلك سيثير غضب أغلب المصريين والعالم العربي عموماً. فقد انتقد معظم العرب في ذلك الوقت خيانة السادات للقضية الفلسطينية وتخليه عن المثل العليا للأمة العربية الواحدة. إن من أيّد إقامة العلاقات مع إسرائيل كانوا يأملون أن يؤدي ذلك إلى تحقيق ظروف اقتصادية أفضل، بدت لهم في حينها ذات قيمة براغماتية أهم من تخيلات الوحدة العربية والجيوش العربية التي تتوعد بالقضاء على إسرائيل.

في الواقع، لو أن المعاهدة أدّت إلى تحسن اقتصادي، ولو أن المصريين تمكنوا من رؤية المكاسب متدفقة من خلالها، لاكتسب السلام شعبية في حينها على الأرجح. ولكن هذا لم يحدث. والأسوأ من ذلك، هو أن الاحتلال الإسرائيلي وممارسة سيادة الأمر الواقع المستمرة على سيناء، ثم فرض السيادة القانونية على مرتفعات الجولان في وقت لاحق، قد أساءت إلى الكرامة القومية للمصريين وللعرب عموماً (خليفة، 2013).

في الفترة التي تلت حرب 1967، وما تضمنته من محاكمات حرب الاستنزاف في الفترة الواقعة بين 1970-1971، ركزت السياسة الإسرائيلية بأغلبية ساحقة على المستوى التكتيكي، من دولة إلى أخرى، لكنها تجاهلت مشاعر الشعب المصري. فقد بدا أن نوعاً من التبعية يتجذّر في مسار السياسة. لم يتغير هذا التركيز الإسرائيلي في الفترة التي تلت مارس 1979، إذ صار المرء يواجه صعوبة كبيرة في إيجاد دليل واحد يشير إلى أي تضافر لجهود العلاقات العامة الإسرائيلية تجاه الشعب المصري.

وأيضاً خلال السنوات الأخيرة، سجلت «هيومن رايتس ووتش» خمس فئات رئيسية من انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني التي ارتكبتها دولة إسرائيل، وذلك بين عامي 2008 و2014، إذ أن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 2000 مدني فلسطيني واستهدفت مبان كان من الواضح أنها مدنية. وقد أبلغت المنظمة عن استخدام القوة المفرطة في الضفة الغربية، مما أدى إلى مقتل وجرح المتظاهرين الفلسطينيين ورماة الحجارة. أضافت «هيومن رايتس ووتش» أن السلطات الإسرائيلية انتهكت اتفاقية جنيف الرابعة من خلال السماح وتسهيل توطين المواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

كما استمرت في تأكيدها على أن إسرائيل انتهكت قانون الاحتلال من خلال مصادرة وإخلاء آلاف الدونمات من الأراضي، وهدم المنازل الفلسطينية، بحجة أنه ينقصها التصريح. أخيراً، كانت إسرائيل قد حدّت من حركة المواطنين الفلسطينيين من وإلى قطّاع غزة، على مدار ربع القرن الماضي، إضافة إلى تفتيت الأسر على أساس المخاوف الأمنية المبالغ فيها. هذه القيود أضرّت بالصحة الاقتصادية لفلسطين، مما أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لغزة بنسبة 23 % بين عامي 1994 و2016، حيث أن 70 ٪ من السكان يعتمدون الآن على المساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات. (إتش آر دبليو، 2017)

اخترق عدد كبير من المهاجرين الأفارقة، في الآونة الأخيرة، الحدود بين سيناء المصرية وإسرائيل ودخلوا بشكل غير قانوني، هرباً من الصراع والفقر الشديدين في بلادهم. وقد أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي على هؤلاء المهاجرين واللاجئين صفة «المتسللين»، مدّعياً أنهم يمثلون تهديداً لهوية الدولة اليهودية. على الرغم من أن إسرائيل كانت قد رحبت، على غير عادتها، بأعداد كبيرة من اليهود الإثيوبيين وأحضرتهم إلى إسرائيل، أولئك الذين لم يكن لون بشرتهم أفتح من لون هؤلاء المهاجرين واللاجئين المحتملين، بدا هذا الإعلان وكأنه شكل من أشكال التمييز العرقي، ليس فقط في آذان اللاجئين الأفارقة، ولكن في آذان العرب أيضاً.

وقد أكد رئيس وزراء إسرائيل، في الفترة الأخيرة، أن الأحزاب العربية في الكنيست لا تنتمي إلى الحكومة، مضيفاً أن «إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وأنها لوحدها». (دروري، 2019). من الممكن أن تشكّل هذه الإعلانات جزءاً من استراتيجية انتخابية يائسة تهدف للحصول على أصوات اليمين، لكنها تهدد مع ذلك وضع إسرائيل كدولة ديمقراطية، وتؤدي إلى نتائج عكسية وقصيرة الأمد من وجهة نظر صناع السلام.

إن الكثير من المصريين مستاؤون من الإدارة الإسرائيلية بسبب دعمها للنظام الاستبدادي الحالي في مصر. وقد افترض بعضهم أن إسرائيل قامت بالبحث في موضوع الانقلاب الذي أدى إلى الإطاحة بالحكومة السابقة المنتخبة بشكل ديمقراطي، في محاولة منها للدفاع عن مصالحها. هذا وإن الإعلان الأخير الصادر عن مكتب رئيس الوزراء، بأن إسرائيل قد تضم أجزاء كبيرة من وادي الأردن، قد أثار غضباً في جميع أنحاء العالم العربي، وقلل من احتمال قيام أية ثقة بين العرب والإسرائيليين (هيلر، 2019).

إن انتهاك حقوق الفلسطينيين والأقليات، عدا عن العنف الذي تم في غزة والإصرار المتوحش على اعتبار إسرائيل دولة يهودية خالصة، قد أضاف مع مرور الوقت إلى ما يمكننا تسميته «حاصل الذنب المصري». أجل، سنسترد سيناء إذا دفعنا الحاصل، لكن الأثمان التي يدفعها الآخرون ليد إسرائيل المبسوطة، تواصل في الارتفاع.

علاوة على ذلك، فإن مجريات الأحداث الأخيرة للعنف في سيناء وإمكانية مشاركة إسرائيل في السياسة الداخلية المصرية، تزيد من جراح الاعتزاز القومي المصري. إذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه العوامل، فمن المنصف أن نستنتج أن معظم المصريين يكرهون إسرائيل ويشكّون في مصداقيتها ويصعب عليهم الوثوق بها. لا تبدو كل هذه المواقف منصفة ومبنية على جرائم إسرائيلية حالية فعلية، ولكنها كافية لأن تشحن المشاعر.

أدى الاستمرار والتمادي في حالة عدم الاستقرار في مصر منذ مارس 1979 إلى أن تعطي الحكومة الأولوية للشؤون الداخلية على الشؤون الخارجية. بالإضافة إلى أن المشاعر القومية العربية قللت من نطاق صنع السلام مع إسرائيل. فقد أصبح من الشائع، خلال الاحتجاجات الأخيرة في أوائل أكتوبر 2019، أن يهتف المتظاهرون المصريون بشعارات مؤيدة للفلسطينيين، وهذا يظهر بوضوح إلى أن القومية العربية في مصر لا تزال تتنفس. وتبنى العديد من زعماء العرب مؤخراً لهجة أكثر عداءً لإسرائيل، بعد فهم الاتجاه السائد في التفكير الشعبي، بغض النظر عما قد يقومون به فعلياً بشكل فردي. ففي عام 2018 وأثناء الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر السنوية 1973، ذكّر الرئيس المصري شعبه بأن إسرائيل لا تزال عدوهم وأعلن أن «المعركة لم تنته بعد» (حسنين، 2018).

إن الطابع الاستبدادي للنظام المصري الحالي، وكذلك ندرة الحقوق المدنية والسياسية التي تعود إلى ما قبل فترة ولاية الرئيس الحالي في مصر، لا ترجّح ظهور الأيديولوجيات الجديدة، والحديثة والمتوافقة مع عملية صنع السلام، في أي وقت قريب في مصر. وتعد الإسلاموية هي البديل المتاح والوحيد للقومية العربية اليوم، وإذا كان الأول مسيئاً إلى إسرائيل على أساس التضامن الأخلاقي، فإن الثاني يكرهها على أساس التحيز الديني.

إذا أردنا فهم الاتجاه الذي تم تنشيطه نحو شيطنة الإسرائيليين واليهود عموماً في مصر، يجب فحص محتوى وسياسة وسائل الإعلام. إذ تظهر البرامج التلفزيونية وكل الصحف باستمرار القناعات على أن اليهود شريرون بطبيعتهم. لكن وسائل الإعلام المصرية والمدعومة من قبل الحكومة، قامت باستخدام نفوذها في زرع الخوف والجنون في رؤوس المواطنين، ودقت إسفيناً بين مواطني البلدين. فعلى سبيل المثال، يقصّ مسلسل تلفزيوني جديد وافقت عليه الحكومة قصة امرأة يهودية تقوم بتعيين ضابط عسكري مصري ليكون عميلها المزدوج. إن إنتاج أعمال، ليس لها علاقة بالواقع، مثل هذه، قد دفعت أعداد كبيرة من الناس إلى معارضة أي تطبيع إضافي لعلاقات مصر مع إسرائيل. (حسنين، 2018)

أضف إلى ذلك أن انعدام الأمن في مصر وظهور الجماعات الإرهابية في محافظة سيناء منذ عام 2011، قد أدى إلى زيادة التوترات الثنائية وزعزعة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ولا شك أن هذه النتيجة متعمدة.

أخيراً، فإن تصريحات المسؤولين المصريين العديدة، بأن على الحكومة أن تعيد تقييم المعاهدة، أضاف زيادة في حالة عدم استقرار بين إسرائيل ومصر. أعلنت شخصية معارضة مؤثرة في مصر ومرشح رئاسي محتمل في عام 2001 أن اتفاقات كامب ديفيد لم تعد ذات صلة وأن إطار شروط الاتفاقية يحتاج إلى إعادة تقييم. وتعتبر هذه التصريحات غير مسؤولة، وهي بدون شك تقوّض الجهود الرامية إلى تحقيق سلام حقيقي في الشرق الأوسط (كارول، 2019).

بغض النظر عن التصريحات العامة والتشظيات السياسية التي تضر بالعلاقة الثنائية، فإن بعض المواقف الأساسية تلعب أيضاً دوراً مهماً. يعتقد الكثير من المصريين المتعلمين أن المعاهدة منحازة لإسرائيل. وعلاوة على أن الدعم الأمريكي الأعمى لإسرائيل، قد ازداد في الآونة الأخيرة مع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فإن المواطنين لا يثقون بالمنظمات الدولية مثل هيئة الأمم المتحدة، التي تعتبر من الأطراف الفاعلة في المعاهدة، وتعتقد إلى حد كبير أنها تحمي مصالح الجهات الفاعلة القوية في البلاد. يذهب الكثيرون أيضاً إلى أن منح الولايات المتحدة للمساعدات العسكرية والاقتصادية لمصر ترقى إلى مستوى الرشوة، وهي مسؤولة عن السياسات الليبرالية الجديدة والمسيئة التي تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة ومكافأة الفساد.

يعتقد الكثيرون، أخيراً، أن توقيع هذه المعاهدة مع إسرائيل قلل من مكانة مصر في العالم العربي. فبعد المصادقة على الاتفاقية، طردت جامعة الدول العربية مصر ولم تقبلها ثانية إلا بعد مرور عقد من الزمن. هذا وقد عكست عقوبة كهذه، الشعور بالخيانة المصرية من قبل الدول العربية الأخرى، بعد موافقة إسرائيل عليها وأدت إلى تفاقم الشعور بالاستياء من الدبلوماسيين والمسؤولين المصريين تجاه نظرائهم الإسرائيليين. (منجوتك، 2014، ص 91)

إذا لم تتم معالجة العقبات التي تحول دون تحقيق السلام في الشرق الأوسط، فقد تتكاثر التداعيات السلبية. فعلى سبيل المثال، إذا لم يقم الجانب المصري بإيجاد حل للقضايا الأمنية في سيناء، فإن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وقد يكون لذلك عواقب وخيمة، كأن تندلع حرب خطيرة لا يريدها حقيقة أي من الطرفين. ويعتبر أساسياً أيضاً وضع حدٍ لانتهاك حقوق الفلسطينيين وحقوق الأقليات بغرض التخفيف من إحساس المصريين بالذنب، فينجرفون بالتالي نحو قبول حركات المقاطعة وغيرها من الإجراءات التي تهدف إلى تعميق عزلة إسرائيل الإقليمية.

أخيراً، إذا اختارت إسرائيل مساندة النظام القمعي والوحشي الذي يحكم مصر حالياً على أساس براغماتي مفاده أنها يجب أن تتعامل مع الحكومة المصرية كما هي، وليس كما ترغب لها إسرائيل أن تكون، يمكنها القيام بذلك بطريقة أقل خشونة على الأقل، طريقة تدرك من خلالها الأضرار العامة التي التصقت بصورتها بين الناس بسبب دعم هائل كهذا. فإذا تم إنشاء حكومة ديمقراطية مستقبلية في مصر، فهي لن تسامح سلوكاً مثل هذا قط.

 

توصيات للسلام

إن فهماً للنتائج المحتملة بعدم اتخاذ أي إجراء يشير إلى الحاجة الملحة لإيجاد حلول. فلا يعني أنه لمجرد أن المعاهدة حالت دون حدوث تصدعات أمنية خطيرة على مدار أربعين عاماً، لا يعني هذا أنها معرضة للانحطاط. فلا يعتبر الرضا عن النفس أمراً جيداً على الإطلاق، إنما هي في هذه الحالة فكرة سيئة للغاية.

ينبغي على الجهات الفاعلة الدولية والمحايدة التدخل للرصد والتوسط بين الأطراف المعنية، بهدف وضع حدٍ للانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون والأقليات في إسرائيل، وعليهم أيضاً ضمان إدانة صارمة في حال انتهاك القانون الإنساني. بالرغم من ذلك، لا يثق المواطنون العرب بالمنظمات الدولية، بسبب عدم قدرتهم على دعم القانون في الماضي. ولكن لا ينبغي استبعاد هذا النهج، وإنما يتوجب العمل به فقط في حال التطبيق العملي. فيما يخص تبديد مشكلة عدم الثقة، قد يعمل إشراك منظمات أحدث أو أصغر كتلك التي تمتلك تقارير لائقة مع السكان المحليين بهذه المهمة. لذلك، ينبغي على المنظمات غير الحكومية الجديدة، والشريكة في جهود القاعدة الشعبية العربية والإسرائيلية، أن تشارك أيضاً في عملية صنع السلام، إن أمكن.

على الجهات الفاعلة الرئيسية، إضافة إلى إشراكها للجهات الفاعلة من الدرجة الثالثة، تحمّل المسؤولية من خلال تبني حكم مسؤول. أما في حالة إسرائيل، فيجب أن يتراجع المرشحون السياسيون عن تجيير الصراع لتوجيه الدعم الحزبي على حساب السلام. فلا يمكن إنكار أنه في أي ترتيب ديمقراطي سيتم إغراء المسؤولين الإداريين لجذب الأصوات من خلال تقديم وعود تحرض الأقليات الأخرى. ومع ذلك، يجب على المسؤولين الإسرائيليين فهم المخاطر، عوضاً عن تشجيع كراهية الأقليات والعرب، وأن تعاقب التعليقات المشتعلة عنصرياً كونها خطابٌ يحض على الكراهية وفقاً للقانون الإسرائيلي الواضح.

وأخيراً، وبهدف ضمان تحقيق السلام مع مصر ديمقراطية مرتقبة، يتعين على الحكومة الإسرائيلية أن تعيد ضبط النبرة في علاقاتها مع النظام المصري الحالي. وهذا يتطلب دقة عالية، إذ أنه من غير المجدي أن نطلب أو أن نتوقع من السلطات الإسرائيلية أن تضر بعلاقاتها المهمة في غياب أي أمل واعد بحدوث تغيير كبير على الجانب المصري، ولكن لا يزال بإمكان إسرائيل الاستثمار في علاقة أفضل على المدى البعيد مع الشعب المصري من خلال تأكيد تفانيها في سبيل الديمقراطية داخل وخارج حدودها.

إن التزامات مصر بتعزيز السلام تبدو جلية أيضاً للعيان، لكن ظروفها محفوفة بالمخاطر.

فإن الدولة تكافح في سبيل الحفاظ على السلام داخل البلاد، وهي تستغل الميول العربية والمناهضة لإسرائيل لحماية ولايتها لتقوم بذلك. لهذا السبب وحده، يتحتم حلول الديمقراطية محل الحكم الاستبدادي لمصر، وأن يتم بذلك تثبيت نظام تعددية الأحزاب.

لقد حلق النظام الاستبدادي الحالي حالة من الذعر، فلا توجد مدارس أفكار جديدة وبناءة، ولا يمكن ازدهار أي أيديولوجيات طامحة إلى الأمام. يعتبر الفراغ الناتج نعمة بالنسبة للقوميين والإسلاميين العرب الرجعيين، إذ أن كلاهما يعارض العلاقات الطبيعية مع إسرائيل.

ففي النهاية، لا بد من إشراك الشعب المصري في بناء الحكم الديمقراطي في مصر وخلق مناخ مناسب للتفكير السياسي البنّاء، لذلك يتوجب على المصريين تطوير مستوى جديد وأعلى من مجرد الإلمام السياسي.

يجب عليهم العمل نحو تحقيق وعي تشاركي أعلى، بما يسمح لهم بأن يكونوا جزءاً من عملية السلام مع جيرانهم الإسرائيليين. والانتفاضات الأخيرة خير دليل على إمكانية حدوث ذلك، لكن التاريخ يظهر بأن طرد المستبدين من السياسة المصرية لن يكون مجرد نزهة.

في حين أن الصراع داخل مصر هو مسؤولية المصريين أولاً وآخراً، فإن للأطراف الدولية الفاعلة – ليس تلك التي تدعو إلى استبعاد إسرائيل – أدواراً تلعبها هي أيضاً.

من المؤكد أنه من مصلحة إسرائيل فعل ذلك على المدى البعيد، لكن النظام المصري الحالي كان قد خلق جواً من الإرهاب خاصة فيما يتعلق بالصحفيين، وعلى هذا أن يتغير في سبيل إنجاح عملية السلام في المنطقة.

فيتم معاقبة المحرضين على خطاب الكراهية ضد الإسرائيليين واليهود، من بين أمور أخرى، بمجرد إقامة الديمقراطية.

كحال جميع البلدان المتحضرة. تحتاج مصر إلى تحكيم حقيقي للقانون للبتّ في هذا الأمر وفي باقي الجوانب الأخرى، بحيث يمكن دحر الاستبداد إذا كان يحث على العودة إلى سابق العهد.

يبدو جلياً أنه ليست جميع الديمقراطيات متساوية. يمكن القول إن نظام مرسي انتُخب ديمقراطياً، لكنه لم يكن يتمتع بالكفاءة الإدارية، ولا بالفكر الليبرالي، وهو لم يكرس موضوع السلام مع إسرائيل. فالديمقراطية المصرية القادمة يجب أن تكون أفضل، وأن تعمل بشكل أفضل. المجتمع الدولي بأكمله له مصلحة في نجاحها.

إضافة إلى التوصيات التي يتم تطبيقها على مصر وحكومة إسرائيل، يجب إشراك مواطني كلا البلدين في عملية السلام وذلك لضمان ديمومتها، إذ أن بإمكان بعض القصص التاريخية أن تفسح لنا الطريق نحو المستقبل.

أقام الأوروبيون العديد من المبادرات الثقافية المختلفة بهدف زيادة التعاون بين مختلف البلدان الأوروبية وشعوبها، مثل برنامج إيراسموس والطريق الثقافي للمجلس الأوروبي. (جاكوبون ومورو، 2015)

وبإمكان إسرائيل ومصر تكييف بعض من هذه الأفكار في سبيل تعايش شعوبيهما وخفض مستوى العداء تجاه بعضهم بعضاً.

لدينا مجموعة واحدة من الأفكار التي تركز على أنسنة العدو. بعض هذه المبادرات موجودة بالفعل. فتقوم مراكز الدراسة والمؤسسات بنشاط تجمع فيه قادة إسرائيل والعرب لتطوير وتقديم أفكارهم حول كيفية تحسين عملية السلام من خلال البحث والنقاش والحوار البناء. يجب مضاعفة هذه المبادرات وتشجيعها وجعلها في متناول يد المصريين والإسرائيليين على مستوى الأرضية الشعبية.

فمن الواجب، علاوة على ذلك، دعم المجموعات المستقلة الجماعية الساعية إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تزويدها بمنصات لعرض أفكارها.

قد يكون من الحكمة إنشاء جمعيات من هذا القبيل لرعاية البرامج الثقافية المشتركة التي تتفوق على السياسة بمعنى ما، مثل التشارك في الموسيقى، ووصفات الأكل، والمهارات الحرفية، والرياضة، ومهارات اللغة ورواية القصص، وأفضل الممارسات في رعاية الحيوانات، للشباب وكبار السن على حد سواء في وسطنا. فيمتلك المصريون والإسرائيليون المختلفون على حد سواء هوايات وعواطف مختلفة. وبما أن وجود مثل هذه المشاعر هو أمر عالمي فيجب علينا الاستفادة من هذه العالمية للتعافي مما هو في غاية التضييق.

وأخيراً، إن على كلا البلدين السعي للحد من تدخل رجال الدين في المسائل السياسية، فعنصر الصراع الوطني هو أمر سيء بما فيه الكفاية. لذا فإن التحريض الديني هو آخر ما ينبغي على أي من الجانبين الأخذ به أو السماح بحدوثه.

اتضح بعد القيام بدراسة حالة تشكيل السلام بين مصر وإسرائيل، أن الطرفين قد قاما بأشياء أعاقت الوفاق الحالي وأضرت بعملية السلام على المدى البعيد.

ففي الجانب الإسرائيلي، ساهمت مختلف انتهاكات حقوق الإنسان التي تم ارتكابها ضد الفلسطينيين والأقليات الأخرى واللجوء إلى استخدام الخطاب السلبي، في شيطنة الإسرائيليين في عيون العرب وإلى تكثيف النزعة القومية لدى العرب والمصريين.

لقد أدى الاهتمام بالمكاسب السياسية على حساب عملية صنع السلام والقيام بنعت إسرائيل بالدولة اليهودية، إلى سوء التفاهم وزاد في تهميش المواطنين العرب في إسرائيل وقد أدى ذلك بدوره إلى إضفاء الشرعية على الرفض الفلسطيني والقيام بتحريض المصريين على إسرائيل.

وأخيراً، فإن الدعم الإسرائيلي الذي لم يحظ بحماية جيدة والذي لم يتم تقديره بدقة من قبل النظام السلطوي في مصر، خلق عداءً للإسرائيليين، حتى بين المصريين المؤيدين للديمقراطية وقد يهدم بالتالي التعاطف المستقبلي نحو إحلال السلام.

ومن جهة أخرى، فقد قامت الأنظمة المصرية بشكل مفرط باستخدام القضية الفلسطينية بشكل ممنهج وصورت إسرائيل كعدو بهدف جذب الدعم من المواطنين القوميين. كما قاطعت الحكومات المصرية المسيئة بشكل مستمر ازدهار التفكير السياسي الجديد، القادر على أن يجلب التنوع في التيارات الأيديولوجية التي يتعرف عليها المصريون مع قوى السلام وتعززه، في نهاية المطاف.

إضافة إلى ما سبق، فقد أدى إخضاع الحكومة للإعلام المصري السائد في ظل ظروف انعدام الأمن التي تنتهجها الحكومة ذاتها إلى إصابة الجسم النووي المصري بسموم لا تفيد أي أحد على الإطلاق. وبهذا يجد المسؤولون الإسرائيليون المتعة بحقهم في الاحتجاج على هذا الضرر غير المبرر للعلاقات المستقبلية.

أخيراً، يلقي تصاعد العنف في سيناء مؤخراً بالشكوك حول مصداقية مصر كشريكٍ للأمن والسلام.

وبتقييم العديد من العقبات التي تحول دون الوعد بسلام حقيقي وكامل، لا يسع المرء إلا أن يستنتج أن دمج المشاركة على مستوى القاعدة الشعبية يعد عنصراً ضرورياً وحاسماً في زيادة احتمالات مستقبل أفضل لجميع المعنيين. يمكن أن يكون السياسيون في بعض الأحيان أنانيين، ويكرهون المخاطرة، وغير صادقين، وجبناء. فلا يعتبر كل زعيم قائداً حقيقياً بالمعنى الصحيح للكلمة. وحدها عملية إشراك المواطنين، ويفضل أن يكون ذلك ضمن إطار ديمقراطي، بإمكانها جلب القيادة الأفضل القادرة على الحماية من الأسوأ.

يتوجب علينا بذلك أن نفعل كل ما بوسعنا، مهما كان العمل لمنع تراجع السلام المصري الإسرائيلي بما هو عليه، وأن نحثه على تحقيق وعده. فإن كان ذلك يعني إشراك الجهات الفاعلة والمحايدة في تطبيق القانون الإنساني، ليكن ذلك.

إذا كان ذلك يؤدي إلى حماية عملية السلام من تأثير التجاوزات الحزبية بأن يتم تنفيذ القانون بقوة وثبات أكبر، فليكن ذلك. وإذا كان انضمام وشراكات المنظمات غير الحكومية أمراً مساعداً، فلنموّلهم إذاً ولنضعهم في مجال التنفيذ. فإعطاء حصة ملموسة وواضحة من هذه العملية لأكبر عدد ممكن من المواطنين سيشكل الطريق الوحيد في بناء الثقة كأساس للسلام الحقيقي.

مراجع

  • بار جوزيف، 2016، الفرصة الوحيدة لتجنب الحرب: مباردة السادات للسلام في شباط 1973 وفشلها. جريدة التاريخ المعاصر، 41(3) ب ب. 545-556.
  • كارول، س،2019. فهم الشرق الأوسط المتقلب والخطير. تحليل شامل.
  • دروري، س، 2019. يقول نتنياهو إن إسرائيل هي ملك للشعب اليهودي وحده في هجومه على المواطنين العرب في البلاد. جريدة «الإندبندنت». متاح عبر الإنترنيت في:

<https://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/netanyahu-says-israel-jewish-state-israeli-arabs-benny-.gantz-a8816661.html> [تم الوصول إليه في 30 أكتوبر 2019]

  • حسنين، هـ.، 2018، خطاب السيسي المناهض لإسرائيل: خطب جديدة، مشاكل قديمة. معهد واشنطن. [عبر الانترنت]. متاح في:

<https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/sisis-anti-israel-rhetoric-new-speeches-old-problems> [تم الوصول إليه في 29 أكتوبر 2019].

  • هيلر، ، 2019. إسرائيل نتنياهو تعلن خطة ما بعد الانتخابات لضم وادي الأردن في الضفة الغربية. رويترز. [عبر الانترنت]. متاح على الموقع:

<https://uk.reuters.com/article/uk-israel-netanyahu/israels-netanyahu-annews- المنشور- المنشور التالي- Election-plan-to-annex-.west-banks-jordan-valley-idUKKCN1VV21P> في 29 أكتوبر 2019]

 

  • بار جوزيف، يو، 2006، هيومن رايتس ووتش، 2017، إسرائيل: 50 عامًا من انتهاكات الاحتلال. [عبر الإنترنت] نيويورك: هيومن رايتس ووتش. متاح على:

<https://www.hrw.org/news/2017/06/04/israel-50-years-occupation-abuses> تم الوصول إليه في 1 نوفمبر 2019.

  • (جاكوبون ومورو، 2015) Jacobone، and Moro، G.، 2015. تقييم تأثير برنامج Erasmus: المهارات والهوية الأوروبية. التقييم والتقويم في التعليم العالي، 40 (2)، ص 309-328.
  • خليفة، د، 2013. إنقاذ السلام: قضية تعديل معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي.
  • لابيدوث. 1983. مضيق تيران، خليج العقبة، ومعاهدة السلام لعام 1979 بين مصر وإسرائيل. American Journal of International Law، 77 (1) ، 84-108.
  • مينكوتيك، 2014. “ولادة” منظمة ميتة ؟: التشكيك في دور الجامعة العربية في عملية “الانتفاضات العربية”. تصورات: مجلة الشؤون الدولية، 19 (2)، ص .83-112.
  • بيلهام، ن.، 2012. سيناء: المخزن المؤقت

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.