الحوار المجتمعي يقرب المسافات بين الدول العربية ودولة إسرائيل

0

بقلم: إسماعيل محمد علي سيد أحمد

يساهم الحوار المجتمعي بين شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كآلية للتخفيف من حدة التوتر القائم في المنطقة وإحداث حالة من التعايش بسلام وطمأنينة.
ومر الإقليم بعدة عوامل وأحداث أدت بشكل مباشر إلى تأجيج وادامة الصراعات داخله،خاصة بين العرب ودولة إسرائيل.
تلك الصراعات كان وراءها جهات سياسية داخلية وخارجية، وجماعات إسلامية أصولية ومنظمات إقليمية ودولية ، قامت عبر السبعين سنة الماضية – منذ تأسيس الدولة العبرية – بالتدليس والكذب لإشاعة الفوضى والخلافات بين شعوب الإقليم،وزرع الخوف بينهم من خلال إشعال فتيل الأزمات السياسية تارة والدينية تارة أخرى.
ولكن أحد أهم الخيارات التي تساهم في تفعيل الحوار السلمي بين شعوب المنطقة كافة، هو توفير سبعة ركائز أساسية وهي: الأمن والعدالة والمصالحة والرفاه الاجتماعي والاقتصادي والمشاركة والتكامل.
هذه الركائز هي الآليات التي يمكن وضعها خلال مرحلة البناء السلمي التعاوني بين شعوب المنطقة، وهي تشير إلى أهمية التعايش وقبول الآخر، كما تكشف عن واقع جديد للمجتمعات في المنطقة مابعد الصراع،ولكن مع الأخذ في الاعتبار، أن وضع التصور الكامل للركائز المستهدفة ، لايكمن فقط في التفكير بالنتائج الإيجابية التي ستعود بالنفع على شعوب ودول الأقليم، بل بالتحديات التي سوف نواجهها للوصول إلى الهدف المنشود .

القيم المثلى التي تدعم التكامل بين شعوب الإقليم الواحد

إن أفضل وسيلة سلمية وحضارية فعالة وذات تأثير قوي وسط الشعوب لمواجهة عودة صراع القوميات، وتنامي صعود الأصوليات، هي فعاليات الحوار الحر البناء، بين الشمال وبين الجنوب، عربي– إسرائيلي، إذ من شأن ذلك، حل النزاعات سلمياً، باعتباره الأسلوب الامثل والطريق الأكثر أماناً لمواجهة شتى أشكال اللامبالاة وعدم التفهم وتنمية ذهنية الاعتراف والاحترام المتبادلين، لذا فإن المطلوب من كل القائمين على كافة الفعاليات والمشاركين فيها، إظهار التفاعل الإنساني الخلاق، المنبثق من تراث شعوب المنطقة، تأكيداً على الدور الفاعل الذي تساهم به حضارتها في تعزيز روح التسامح والتواصل بين الشعوب والأديان كافة.
إن على شعوب المنطقة أن تعمل بمثابة بعثات سلام ووئام في كافة الفعاليات، في ظل الإقرار بتنوع مكونات مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دينياً وعرقياً ولغوياً وثقافيا، والاعتراف بحق تلك المكونات في التعبير عن اختلافها وثقافاتها وأديانها، ضمن هوية سلمية، بعيداً عن العنف، ونؤكد بأنه لابد من عقد صفقات إقتصادية وتبني مشروعات تنموية وإقامة مهرجانات ثقافية، فنية، رياضية لترسيخ مفهوم الاندماج والتكتل بمعناة الأشمل والأوسع، داخل الاقليم، بإطلاق عدة فعاليات ومعارض وندوات ومسابقات ومنافسات رياضية، كما يجب ان تبدي منظمات المجتمع المدني القدرةً على الاضطلاع بأدوار كبيرة في تسكين الصراعات على المستوى الاجتماعي بأساليبها السلمية وخبراتها التشاركية في فتح آفاق للحوار والاندماج وتعزيز المشاركة الجماعية لإطلاق منابر للمعرفة وورش عمل ومؤتمرات.

خطة الخروج من نقطة الغليان المتنامية إلى التعايش

توافرت لمنطقة الشرق الأوسط تاريخياً، ميزات جيوبوليتكية واقتصادية حتمت من اهميتها الاستراتيجية على الخارطة الدولية والنظام العالمي، وهي تضم وتنضوي في مكوناتها المختلفة، على هويات وأعراق وثقافات حضارية وبيئية متنوعة ومختلفة، ترهنها باستمرار إلى الاختلاف والتضاد، لأن التفكير الذي اقترب من ظاهرة الصراع فيه، تقولب في أطر محددة، ولم يبحث في إمكانية توافر آليات وصيغ، يمكن ان تمهد للخروج من نقطة الغليان المتنامية والمتفاعلة باستمرار.
ارتبطت هذه المنطقة، أكثر من أي منطقة أخرى في العالم بالصراعات والحروب، حيث كان تعريفها كمنطقة حروب مشتعلة ومستمرة، هو ما يتبادر إلى أذهان الآخرين في العالم، دون غيره من طبيعة العلاقات الأخرى؛ كالتجارية، أو العمل والتفاعل الدبلوماسي، أو النهضة التنموية أو التسامح والتنوع الجاذب.
ويعد الحوار المجتمعي من الأدبيات الفاعلة والآليات المهمة لإحداث تحول في نظرة شعوب المنطقة تجاه الصراعات القائمة، كالصراع العربي الإسرائيلي المفتعل ، وما يجري من نزاعات طائفية وصراعات محلية وحروب عبثية متجددة، وهو النهج الحضاري والديمقراطي الذي يضمن مساهمة الشركاء واللاعبين الرئيسيين في صنع القرار والتوافق حول الهدف المنشود وهو التعايش وقبول الآخر ايماناً بالأمر الواقع، الذي يتطلب بيئة مواتية للحوار من خلال تفعيل المؤسسات الثقافية والفنية والرياضية للمشاركة في هذا المشروع النهضوي.

دور المجتمع المدني في الأخذ بزمام المبادرة

تشكل الصراعات والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط قديمها وحديثها، وتبعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تحديا أساسيا أمام الحكومات وشعوبها وشركائها حول العالم، لما لها من تبعات تهدد استقرار المنطقة وتهدر ثرواتها البشرية والمادية، وهو ما يتطلب تدخل منظمات المجتمع المدني بكافة مسمياتها للأخذ بزمام المبادرة بعد فشل حكومات المنطقة في حلحلة تلك المشكلات.
وفي ضوء هذا تبرز أهمية الحوار المجتمعي بأشكاله المختلفة كآلية للتخفيف من حدة التوتر القائم في الإقليم الشرق أوسطي والتعايش بسلام وطمأنينة من خلال الوصول إلى سبيل راشد لعقلنة شعوب المنطقة ووجدانها، وتسهيل تمثَّل قبولها للآخر، والترويج لفكرة المشاركة مع الآخر في كل المجالات والقطاعات.
وهناك ثمانية عوامل تضافرت بشكل خاص، على تصعيد الصراعات في المنطقة وإدامتها وهي:
1: الصرع العربي الإسرائيلي، وما أنتجه من تأجيج وزرع الكراهية في أذهان الشعوب العربية ضد اليهود والإسرائيليين ، في ظل الاهتمام العالمي الواسع بهذا الصراع، نتيجة للأهمية الدينية والاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط، إذ ظل التوتر، السمة البارزة لهذا الصراع الأشهر في التاريخ الحديث والمعاصر.
2: الثورة الإيرانية التي حركت واشتغلت على تهييج النزعات الطائفية وتسييسها في مجتمعات الأقليات الطائفية العربية ، منذ العام 1979م عبر ما عرف بسياسات تصدير الثورة وحتى اليوم.
3ً: اختلال توازن القوى الإقليمي بما بدا يشوبه من غموض وتقلّب في أعقاب ثورات الربيع العربي التي اندلعت في 2011م.
4: انفجار النزاعات المحلية في العديد من بلدان المنطقة حيث أصبحت مسرحاً جاذبا لتدخلات إقليمية ودولية عبر منافسات متواصلة شاركت في إدارة النزاعات المحلية وتوظيفها بحسب أجنداتها الخاصة، فأصبحت الصراعات المحلية أوسع نطاقاً وأشدّ فتكاً.
5ً: تعاظم سباق التسلح بين دول المنطقة بصورة حادة. ما انعكس تهديداً على استقرارها.
:6ً عبثية الحروب التي انتظمت المنطقة وغياب المنطق الموضوعي والعقلاني في أسباب اندلاعها بحيث بدا أن هناك شحاً ملموساً في افتقاد المعايير الموضوعية للحرب وآليات فضّ النزاع، بالمقارنة مع مناطق العالم الأخرى. وكان من نتائج ذلك أن المنطقة تحوّلت بجميع بقاعها إلى وكر دبابير من التدخّلات العسكرية.
7: جماعات الإرهاب والأصولية الإسلامية و قضايا الإرهاب الذي أصبح ملفاً عالمياً بامتياز وجعل هذه المنطقة في بؤرة الاهتمامات الجيوسياسية للعالم.
8: المنظمات الإقليمية والدولية التحريضية التي تدعو لمقاطعة بين العرب للإسرائيليين وتجريم التعاطي مع الدولة العبرية.
ويبدو تذليل هذه العوامل مهمة عسيرة لراسمي السياسات الإقليميين والدوليين. فالمرجّح، حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، أن التقدم في مجال التهدئة وإعادة الاستقرار سيكون تدريجياً، وبطيئاً، ومتقطّعاً. ومع ذلك، في وسع الفاعلين الإقليميين والدوليين أن يستقرئوا بعض الخطوات العينية الملموسة للتخفيف من مخاطر هذه العوامل المؤدية إلى تصعيد النزاع. بالإضافة إلى هذه العوامل، ينبغي النظر كذلك إلى الخصائص المميزة لكل هذه النزاعات ومصالح الأطراف المتدخّلة.
ومع وجود تحريض إعلامي وتنظيمي جهادي على العنف تحت مبررات سياسية ودينية واهية، تصبح الإجابة على السؤال: كيف نتعايش كشعوب في هذا الإقليم؟ أمراً في غاية الأهمية، ليس فقط لأصحاب القرار السياسي، بل لكافة أفراد المجتمع.
من هذا المنطلق أصبح مفهوم التعايش أحد المفاهيم المحورية الهادفة لإدارة التنوع في المجتمعات بشكل سليم، عبر إدراك شروط صناعته لتعزيز التماسك المجتمعي، إذ إن البديل للتعايش هو، بالضرورة، الإقصاء والإلغاء وما يترتب عليهما من عنف وفوضى، وعنف مضاد.
التعايش، لغةً، من تعايشوا: أي عاشوا على الألفة. وعايشه عاش معه، والعيش معناه الحياة، كما أن المفهوم الذي جاء على صيغة “تفاعل” اللغوية يقتضي، بالضرورة، علاقة تشاركية تبادلية بين طرفين أو أكثر، مع وجود اختلاف بينهما أو اختلافات بينهم. وهذا يعني أن قدرتنا على إدراك أهمية العيش المشترك، كقيمة عليا من قيم المجتمع، لا بد أن تكون نابعة من اعتقاد مشترك بين طرفين، أو أطراف تريد أن تتعايش، رغم الاختلاف. ولهذا فإن احترام القيم المشتركة هي جوهر عملية التعايش.
كما أن التعايش لا يعني إقصاء الأفكار والمذاهب المختلفة لأفراد المجتمع لحساب فكر واحد؛ لأن تلك الأفكار المختلفة هي جزء من قناعة أصحابها ورؤيتهم. لكن مع ذلك، لا يعني الاختلاف؛ إلغاءً للمختلفين داخل ذلك المجتمع أو الحظر عليهم، ما دامت الممارسات التي يعبرون فيها عن أفكارهم المختلفة هي ممارسات ذات تعبير سلمي.
كذلك، فإن التعايش داخل المجتمع يعني بالضرورة وجود مساحة مشتركة للتعبير المتبادل واعتراف كل طرف بحق الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى؛ أولا، في حريَّة توجهاتهم الفكرية، وثانيا، في ممارسة التعبيرات السلمية التي تعكس تلك التوجهات الفكرية. وبهذا الاعتراف تتأسس مفردات غنية لعلاقات متعددة من القبول المتبادل بين الأطراف المختلفة، لاسيما إذا كان يجمعهم كيان مشترك، كالوطن.
ومن أهم هذه القيم الداعمة لمبدأ التعايش، قيمة؛ الحوار، لأن الحوار هو عنوان التعايش والتعبير الأسمى عن دلالته؛ بل يمكننا القول أن التعايش، في حقيقته، إنما هو أشكال متعددة من الحوار، ناطقة وصامتة. كما أن الحوار هو النشاط الفكري الأول في مسيرة المجتمع نحو التعايش وبالحوار يمكننا استطلاع آراء المتحاورين، وتقييمها وتطويرها باستمرار عبر الفكر والراي والرأي الآخر.
نعتقد أنه، وإلى جانب دور الحكومات، فإن لمنظمات المجتمع المدني قدرةً على الاضطلاع بأدوار كبيرة في تسكين تلك الصراعات على المستوى الاجتماعي عبر أساليبها السلمية وخبراتها التشاركية في فتح آفاق للحوار والاندماج وتعزيز المشاركة الجماعية لإطلاق منابر للمعرفة وورش عمل ومؤتمرات، تضع يدها على الأسباب التي تنعكس عبرها تلك النزاعات بين الجماعات المختلفة في الاقليم. وفي ظننا أن سوء الفهم وسوء التفاهم هو السبب الرئيس الذي تتولد منه الكثير من أساليب الاقصاء والتهميش وثقافة الكراهية. وأن تبصير الناس عبر تلك الورش وفتح أعينهم على القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بينهم، وتغذية وعيهم بتلك المعرفة سيكون له دوراً كبيراً في رفع مستوى الوعي بينهم.
ننتظر من الشعوب في المنطقة أن تكون بمثابة بعثات سلام ووئام في كافة الفعاليات، وكل مشارك يمكنه أن يعد نفسه سفيراً لحضارة عريقة لا يمكن أن تنعزل عن مجرى الحضارات الإنسانية الأخرى، وإنما بما توافر لها عبر العصور من عناصر خلاقة، أضحت قوة تحفز على الحوار، وتدفع نحو التعايش؛ ما يجعل لها ثقلاً وقوة جاذبية يوجهانها نحو الحضارات الأخرى؛ الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى التلاقح الذي ينتج ما يمكن أن نطلق عليه “التجديد الحضاري”.
من الأهمية بمكان الإقرار بتنوع مكونات مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دينياً وعرقياً ولغوياً وثقافيا، والإقرار بحق تلك المكونات في التعبير عن اختلافها وثقافاتها وأديانها ضمن هوية سلمية بعيداً عن العنف الرمزي كالتحريض بالكلام أو تسفيه معتقدات الآخرين أو العنف المادي كالعراك وحمل السلاح وفرض الرأي بالقوة على آخرين. فضلاً عن فتح مساحات التعبير لتلك المكونات المجتمعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر القنوات الإعلامية والمنابر العامة للحوار لعكس ثقافاتها المتنوعة.
*باحث وصحافي سوداني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية

Leave A Reply

Your email address will not be published.