الإعلام العربي وصناعة الهوية الوطنية

0

بقلم: صبيحة خليل

تهدف المقدمة للإجابة عن سؤال افتراضي. لماذا هذه الدراسة ؟ وما الهدف المرتجى من خوض هكذا معترك، تحديداً في ظرف يبدو فيه العالم العربي غارقاً بمستنقعات من الحروب والصراعات أكثر من أي وقت آخر. سيما بعدما ضربت موجات الحراك الشعبي أو ما عرفت بثورات الربيع العربي الكثير من هذه البلدان وجرفتها بعيداً عن مطالب هذه الشعوب المقهورة في إحلال أنظمة حكم رشيدة مكان الأنظمة المستبدة. وقد يرى البعض أن موضوع البحث أقرب للترف الفكري. التنظيري، لكن أعتقد أن تلك رؤية الأغلبية الساحقة من المشتغلين بالشأن العام. مثقفين وسياسيين، تميل أثناء الأزمات والمنعطفات إلى الحلول الآنية وتصب إما في خدمة تهدئة الأوضاع أو في تأجيجها ويصبحون بعد وقت جزء من المشكلة. تبلورت الفكرة السابقة لدي نتيجة الملاحظة. ملاحظتي لردود أفعالي الشخصية، وردود أفعال أصدقاء وصديقات تجاه قضايا مستجدة وساخنة، وعلى مدار زمن طويل، سيما وأن غالبيتنا على صلة مباشرة بالشأن العام السياسي و الثقافي.
تبدو لي النقاشات التي كنا نقوم بها قبل عقدين في الوسطين السوري. العام، والكردي على وجه الخصوص صالحة حتى اللحظة. ليس لغناها المعرفي والثقافي. النظري، ربما كان الكثير منا يفتقد تلك المفاتيح إنما نتيجة تماسها المباشر مع الواقع الثقافي والسياسي اليومي. المعاش، دون أية محددات رسمية تتعلق بالطروحات الأكاديمية. ومن بين أهم تلك الطروحات في تلك الحقبة، كانت موضوعة أزمة الهوية الوطنية التي كنا وما نزال نعيشها حتى اللحظة، ولا أنكر ما لطبيعة عملي كـ مدرسة/ اللغة الإنكليزية في مدينة حلب من دور في استمزاج الفتية والفتيات من طلاب المرحلة المتوسطة حول مواضيع سياسية واجتماعية، ضمن مساحة الهوامش التي كانت تتاح لي بين الحصص المدرسية. كانت تلك المرحلة بالنسبة لي من أغنى التجارب الحياتية، كنت أقوم بتلك المغامرة الغير آمنة في الأجواء المقيدة للبيئة العامة بوجه عام و الفضاء التعليمي بشكل خاص بحذر و خوف دون أن أفقد جرأة التجريب، و هما لاحظت شغف الطلاب والطالبات بتلك التجارب. تلك التجارب مع الأيام منحتني الثقة في كون الجانب العملي. التجريبي، أهم من كل النظريات التي يمكن للمرء حفظها من الكتب. رغم أن جزء كبير من هذه الدراسات نتاج التجربة والملاحظة العلمية. إلا أن ظروف تلك التجارب. البيئة والحواضن الاجتماعية تختلف بين بلد لآخر ومن حقبة لأخرى، لذا كان لا بد من البحث الميداني.
وبالعودة إلى موضوعنا هنا. الهوية الوطنية، وعلى سبيل المثال، أغلب طلابي من المرحلة المتوسطة كانوا لا يميزون بين مفهوم الهوية الوطنية والنظام الحاكم. حتى زملائي في الكادر التدريسي كانوا لا يجدون أية فروقات، و اكتشفت أن أغلب الطلاب لم يستطيعوا إعطاء دلالة واضحة للفصل بين علم الحزب الحاكم و العلم السوري الوطني. أما الطلاب من غير المكون العربي. كما الكرد كان لديهم أعلامهم ورموزهم الخاصة وإن كانت بشكل خفي وغير معلن نتيجة العواقب الأمنية والتبعات التي يمكن لها أن تصل حد الاعتقال والفصل من المدرسة. هذا الخلط بين الهوية الوطنية والولاء للنظام الحاكم الذي احتكر الدولة كان واضحا حتى في نقاشات الوسط المثقف المعارض، و كثر كانوا يعتبرون أنه من المهم أن تصب الهوية الوطنية في بوتقة العروبة وفي أفضل الحالات تمر من خلالها، وأن المشكلة ليست في الهوية الوطنية إنما فيمن يفترض يهم/ن أن يوالوا هذه الهوية، أما الأطراف المحسوبة على النظام الحاكم اختصروا الهوية الوطنية بجانب قانوني وعلى أنه نتيجة حتمية بمجرد حمل البطاقة الشخصية. الهوية السورية، والتي تخضع لسلسلة إجراءات قانونية وإدارية كاف للقول أن الهوية تحققت بكل أبعادها. واعتبروا كل من يخالف أو يتمرد على النظام الحاكم خروجاً عن عباءة هذه الهوية الوطنية.
على الصعيد العملي، فقد ساد الفشل كل محاولات المكاشفة الحقيقة المتعلقة بأزمة الهوية الوطنية. كنا نصل لحائط مسدود وننشغل بمشاكل جانبية، ونرفض أية طروحات نظرية من شأنها أن تفتح مسارات جديدة لتجديد الهوية الوطنية السورية بما يخدم مصلحة البلد، نختلف ثم يعود كل منا نحو هوياته الفرعية. قومية كانت أم اثنية أو حزبية وعقائدية، ويعيش الجميع في حالة فصام عن الواقع المعاش. واقع مرير لم ينتج عنه بالنهاية سوى الخراب.
التمهيد السابق يبرر نقطتين أجدهما محوريتين الأولى تجيب بشكل غير مباشر عن السؤال الذي افترضته سلفاً في بداية هذه المقدمة. مسألة إشكالية أزمة الهوية في العالم العربي ومدى أهميتها كـ مدخل لحل الكثير من النزاعات المستعصية في المنطقة للبدء بعملية تنمية شاملة وبناء سلام مستدام و استقرار، وكل هذا يحتاج إلى مكاشفة جادة للوصول إلى جذور المشكلات، واعتبار تفكيك أزمة الهويات الوطنية أولوية. الهدف الثاني من الاستفاضة السابقة ترتبط بمنهجيات البحث المتبعة للوصول إلى النتائج، وكما أسلفت التركيز بالدرجة الاولى على الجانب الميداني والنوعي ثم التحول إلى استقراء الراهن وربطه مع الماضي للوصول إلى تحقيق فرضيات البحث ضمن مساحة زمنية تمتد لقرابة نصف قرن .

مدخل حول تعريف الهوية الوطنية
من نوافل القول الاعتقاد أن تعريف الهوية الوطنية في جانبه النظري والأكاديمي يطابق عما هو عليه في واقع الحال. فالتطبيق يظهر تباينات واضحة بين هذه التعريفات التي تختلف من بلد لآخر وصولاً إلى الشرائح الاجتماعية المكونة للبلد. إلا أنها تسبح في الفضاء ذاته لكن باتجاهات مختلفة.
وقد يبدو من المحال التطرق لموضوعة الهوية الوطنية دون المجيء على نظرية اريك اريكسون مؤسس نظرية الهوية المعاصرة والتي رسمت خريطة العلاقة بين الفرد و التنشئة الاجتماعية. النمو، واعتبر اريكسون الهوية كـ واحدة من تحديات مرحلة المراهقة في تحقيق الذات و بلوغ الأهداف”1″ وهي امتداد لتحليلات سيغموند فرويد النفسية ولكن عبر طريق ثانية يستخدم علم النفس الاجتماعي، حيث أعطى اريكسون الأهمية للبيئة الاجتماعية. الحاضنة، مبتعداً في ذلك عن نظرية فرويد والتي أعطت الغرائز البيولوجية مساحة كبيرة، ومنح اريكسون أهمية بالغة للمرحلة الخامسة. المراهقة، من بين المراحل الثمانية التي رسمها حيث يأخذ المراهق في البحث عن هوية انتمائه للمجتمع، ووصف مراحل التصنيف الثمانية بالأزمات التي تبحث عن حلول.
بشكل عام العلوم الاجتماعية تفضل تقسيم الهوية إلى نوعين. شخصية و اجتماعية، ويمكن سحب ذلك على الشعوب والمجموعات البشرية التي تتشكل منها بكل ما لها من تنوع واختلاف خاصة فيما يتصل بالجوانب الثقافية. على اعتبار الثقافة وفق تعريف محمد عابد الجابري ” ذاك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات التي تحفظ جماعة بشرية ما. تشكل أمة أو ما معناها “”3″ . نظرياً ثمة اتفاق وتقاطع بين كل تعريفات الهوية الوطنية والتي تستند على دعامتين. الموروث الثقافي والجغرافيا، كـ ضرورة لتشكل أية هوية وطنية. وكل مسارات أبحاث ودراسات المفكرين وعلماء الاجتماع السياسي تقودنا إلى أن الهوية الوطنية نتاج اجتماعي. على اعتبار الجغرافيا تحصيل حاصل، لذلك وحسب توصيف برهان غليون. الهوية الوطنية لا يمكن تحقيقها إلا عبر هوية ثقافية تكون قاعدة للإجماع عليها، ويصفها على أنها تصور الجماعة لذاتها، وتساهم في حل تناقضات الشخصية الجماعية للوصول إلى استقرارها وتوازنها ووضوح أهدافها للوصول إلى تطابق التصور مع الواقع4 . ضمن السياق ذاته يتطابق تعريف كل من حمزة الحسن و د. علي الفتلاوي حول الهوية الوطنية على أنها فعل جماعي مشترك وشامل لمواطني دولة ما، يقربهم من بعضهم البعض ويولد لديهم دفعاً وإرادة بالانتماء للأرض التي يعيشون عليها ويعزز الحاجة المشتركة للتعايش معا إلى حد ربطهم بمصير واحد، متشابه ومشترك. ويمنح شعوراً بالاختلاف عن الشعوب الأخرى .
التعريف الواقعي للهوية الوطنية .
قبل الخوض في محاولة تعريف الهوية الوطنية، كما هي في الواقع. خارج أسوار النظريات والدراسات الأكاديمية مع عدم إسقاط الأهمية العلمية والتي نتجت عن دراسات وأبحاث مضنية واستخلصت تجارب الدول والأمم والمجتمعات والأفراد لفهم ماهية الهوية الوطنية، نحن هنا بصدد الوصول إلى تعريف يستمد معرفته وقوته بالهوية من الجانب الأكاديمي والبحثي ويوثق الصلة مع الواقع العملي لمفهوم الهوية داخل مجتمعات العالم العربي وبنفس الوقت نقف على تعريف لا يبتعد عن تعريفات علم النفس الاجتماعي والسياسي ويعبر عن فهم الشارع لمفهوم الهوية. ثم نقوم بمقارنة أولية بين هذا المفهوم ” الشعبي/ الدارج ” وبين ما هو عليه كـ مفهوم في الدول التي حققت هويتها الوطنية التكاملية والتنموية.
من المؤكد أن فكرة الهويات الوطنية في العالم العربي جديدة بالمقارنة مع الغرب. في أبعد احتمال لراهن مفهوم الهوية الوطنية يمكن ردها لبداية سبعينات القرن الماضي، وتبلورت أكثر مع تفاقم أزمة الصراع العربي الاسرائيلي. فيما بعد تحولت إلى ضرورة لمواجهة العولمة الوافدة، وما يزال التعامل مع الهوية الوطنية كـ مفهوم أقرب إليه كـ سلاح حرب، أو كرد فعل للارتداد نحو الداخل المغلق، وممانعة كل ما هو وافد بعد تخطي البشرية عتبة العولمة، لذلك نجد أن التركيز على نواتين لإنتاش الهويات الوطنية في العالم العربي. الإسلام والعروبة، وبالعودة إلى محمد عابد الجابري نجد وضوح هذه الفكرة عندما فكك محاولات ربط الهويات الوطنية مع العروبة والإسلام6، وتلك حقيقة لا يمكن تجاوزها بحكم أن العروبة والإسلام هما الحامل الثقافي الأقوى في بلدان العالم العربي والذي يستمد شرعيته من نتاج التفاعل الاجتماعي وما تمخض عنه من قيم وتراث يتم نقله من جيل لآخر عبر التلقين، وهنا تكمن عقدة المشكلة، مع تحول هذا التراث، والإسلام جزء منه. إلى عبء متوارث دون إفساح أي مجال لتطويره أو النقاش فيه، مما نتج عنه تصلب هذا التراث وتكوره على نفسه، وهذا ما سنناقشه في طريقة تعاطي الإعلام العربي مع هذا التراث وشكل تداوله، و الواقع الشعبي يقودنا إلى أن التراث بات جزءا من المقدس الذي يصعب الاقتراب منه أو نقده والعمل عليه.
أما فيما يخص نمو وتصاعد البعد القومي. العروبة، وهو محصلة لـ جملة ظروف موضوعية رافقت انهيار الامبراطورية العثمانية وما نتج عن ذلك من تقسيمات واتفاقات ومنعكسات على سياسات التتريك التي رافقت المرحلة أو كـ محاكاة لمرحلة الدولة القومية في أوربا، مما دفع البعض لجعل العروبة تحتل القسم الأكبر من حجم الهويات الوطنية في بلدان العالم العربي.
أما على المستوى الشعبي والدراج يظهر تداخل مفهوم الهوية الوطنية مع ثلاث معطيات يمكن ترتيبها من حيث الأهمية على النحو التالي. الولاء للنظام الحاكم. العروبة. الإسلام، ونكاد لا نستطيع الفصل بين المفهوم الأول. الولاء للنظم الحاكمة و الهوية الوطنية. و نتيجة لهذا الخلط المتعمد في أغلب الأحيان تولد شكل من أشكال الهوية القهرية وصمت الهوية الوطنية التي تتطلب من حامليها الخضوع و الإذعان عوضاً عن الانتماء الطوعي الناجم عن شعور الفخر الذي يشكل أرضية الانتماء المستدام للهوية الوطنية. و من مساوئ هذا الخلط هو تجسيد العلاقة السيامية بين الدولة و المستبد الذي بزواله يجب زوال الدولة كون عملية الفكاك محفوفة دائماً بانهيار غير مقصود للدولة ذاتها. يتضح هذا جلياً في نظام المعاقبة والمحاسبة. شتم الوطن والهوية الوطنية أمر جد بسيط وعابر ولا يلق عقوبات رادعة أما شتم منظومات الحكم تنتفض له الأجهزة الأمنية، ومعروف مصير كل من تحدى وشتم هذه النظم، ومن خلال تجربتي الشخصية وجدت أن كل من يعمل بإخلاص وتفان في عمله الوظيفي بدوافع وطنية، ورفض التورط في منظومات الفساد التي تحكمت في أغلب مؤسسات بلدان العالم العربي. كان عرضة للنبذ والملاحقة ويتم نعته شعبياً. بـ الحنبلي، كناية عن المذهب الحنبلي السني الذي أسسه أحمد بن حنبل والذي يعد من بين المذاهب التي تبالغ وتغالي في الدين مثل ابن تيمية، ويصبح هؤلاء الوطنيين والمتفانين في عملهم محل شبهة واستهزاء المجتمع.
أما العروبة كـ هوية تلحق بصفة من صفات القائد ويصبح النظام السياسي حام للعروبة ولولاه لامعنى لها، ويظهر ذلك عبر تسويق الكثير من الشعارات التي أنتجتها النظم العربية. في سوريا مثلاً كان يتم ترديد هتافات من قبيل ” حافظ أسد رمز الأمة العربية”، و في العراق ظهر شعار ” قائد الأمة العربية “، بينما الإسلام وظف ليكون سلاح ذو حدين، الحد الأول يخدم النظم الحاكمة عبر تفسيرات وتأويلات تمنع الخروج والتمرد على هذه النظم والمجموعات واعتبار ذلك كفراً ومعصية، أو يستخدم الإسلام كـ وسيلة للتهديد الداخلي والخارجي عبر تمكين الحركات الجهادية وإطلاق يدها لممارسة أعمال إرهابية لوضع الشعوب العربية والعالم أمام خيارين لا ثالث لهما. إما استمرار هذه المنظومات الحاكمة ودعمها شعبياً و دولياً أو الدخول في نفق مظلم، ويتضح ذلك من سياقات تطورات الأوضاع في بلدان الربيع العربي، وكيفية دعم وصناعة الحركات الجهادية بطرق ملتوية ومواربة في مراحل سابقة كما في دعم القاعدة بالعراق قبل عقد ونيف أو في تمويل حزب الله في جنوب لبنان أو حركة حماس في قطاع غزة.
في واقع العالم العربي نقف أمام صورة مغايرة ومشوهة للهوية الوطنية عبر تكريس فهم شعبي يختصر الهويات الوطنية بالولاء للزعماء والقادة والنظم الحاكمة، وتم تكليف مؤسسات الدولة. خاصة التعليمية و الإعلامية، للقيام بعملية المزج بين التراث والعروبة والحاكم. المستبد، وكل من عاند أو خرج عن القاعدة كانت الأجهزة الأمنية له بالمرصاد، لدرجة أنه ألحقت بكل مؤسسة مكاتب للمراقبة تسهر على سير عملية الترويض وتحاسب من يخالف ذلك، ويتجلى هذا في الحياة الثقافية العامة التي أصابها التصحر وتحول المثقف في العالم العربي إلى مجرد موظف بسيط. أسير لقمة العيش، لا بل تم إنتاج مثقف من نوع جديد يعاني من العجز والتهرب والاتكالية على حد وصف المفكر هشام شرابي ، ولم يعد بالإمكان الحديث سوى عن هوية وطنية جامعة سمتها القمع والانصياع. هوية تجمع المقهورين ومسلوبي الإرادة .
الخلاصة الميدانية للهوية الوطنية في جانب منه شعور لا مرئي له حيز واسع من العواطف والمشاعر تتقاسمها مجموعات أو فئات متقاربة تعاني الحيف والجور ذاته، ويمكن فصل الهوية عن المكان الذي تنعدم فيه ظروف النماء. لهذا يمكن تطوير المقومات التقليدية للهوية الوطنية واستبدالها بمفاهيم تنموية تحقق مصالح شعوب وجماعات معينة. وبشكل عام تفقد الهويات الوطنية مصداقيتها عندما تعجز عن تلبية احتياجات مواطنيها عندئذ تدخل الهوية حالة اغتراب وانفصام عن الواقع المادي، بالوطن .

الإعلام العربي بين الأمس واليوم
يعود زخم وسائل الإعلام في العالم العربي اليوم لمرحلة تسعينات القرن الماضي، حيث انتشرت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وفتح الباب. نتيجة المد العولمي، أمام وسائل التواصل الاجتماعي رغم محاولات القمع والرقابة التي ما تزال تحاول الحد من مفاعيل هذا الانفتاح وتجيّره لصالح النظم الحاكمة. ويشكل هذا الإعلام نسبة 7% من مجموع كتلة وسائل الإعلام حول العالم. أي أن واقع الحال يدل على أن العالم العربي مقارنة بالدول المتقدمة لم يعد يعاني من مشكلة شح وسائل الإعلام8، وبالمقارنة مع مرحلة ما قبل تسعينات القرن المنصرم نلاحظ أن هذا الفارق يظهر في نقطتين :
الأولى : التطور التقني ومنح التراخيص لمؤسسات إعلامية في العديد من بلدان العالم العربي، وبالتالي لم تعد هذه المؤسسات حكراً على القطاع العام. الدولة، و رغم المساحة المحدودة والمقننة لوسائل الإعلام الخاصة في تناول المواضيع والقضايا ذات الشأن العام وبقاء معظمها ضمن مجال الترفيه والتسلية إلا أنها أضفت شيء من الحيوية والحركة على الإعلام العربي .
الثانية: امتلاك زمام المهنية في طرائق التقديم والإخراج والإعداد والتحرير نتيجة التوسع في أكاديميات الإعلام وانتشار الدورات التدريبية. رفع من سوية المنتج الإعلامي وأخرجه عن سياق الرتابة والملل. على الأقل تطور الشكل الذي يتم فيه تقديم المحتوى وبات أكثر جاذبية .

المحتوى الاعلامي وصناعة الهوية الوطنية
مهما اختلفت الوسيلة والشكل الذي يتم فيه تغليف المواد الإعلامية. يبقى الإعلام بالنهاية محتوى، مضمون الرسالة، ونكاد لا نجد فارقاً شاسعاً بين وسائل الإعلام في العالم العربي من حيث المحتوى رغم وضوح التباينات السياسية والفروقات الثقافية بين بلدان العالم العربي. قد يختلف الشكل ولكن تموضع المضمون بشكل عام يصب في خدمة نظم الحكم، وهو انعكاس مباشر أو موارب لمصالح الفئات المتحكمة بهذه البلدان.
ومهما حاولت بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، الخروج عن السياقات المألوفة والمرسومة تقوم أجهزة ومكاتب الرقابة المنتشرة في أغلب وزارات الثقافة التابعة لدول العالم العربي بإعادتها إلى النمط المتوائم مع السلطة. عبر التركيز على ثلاثة نقاط تختصر راهن المحتوى الإعلامي الناطق بالعربية :
أ‌. ممارسة الحقن القومي و الديني واعتبار العالم العربي كتلة متجانسة. لغة واحدة. ثقافة واحدة. قومية واحدة. دين واحد، وإغلاق المجال أمام أية محاولات لنقد هذه المقدسات أو العمل على تطويرها، وتدخل هذه المحاولات النقدية الفردية في بعض الأحيان ضمن بند الخيانة العظمى ويتم تأويلها وتفسيرها بارتباطات خارجية أو محاولات لتفكيك الأمة الواحدة.
ب‌. رد مشاكل العالم العربي. خاصة التنموية منها، إلى جذر واحد. والادعاء بأن التهديد الخارجي يتمثل في أمريكا وإسرائيل، وبذلك يتم تشريح التخلف وتبرير الفقر و تفسير تأجيل دمقرطة العالم العربي وبقاء الأحكام العرفية والقوانين التمييزية، وبنفس السياق تمنح الأولوية للعسكرة ومشاريع التسليح، ويعتبر تحمل الظروف المعاشية القاسية ضرباً من البطولة والصمود ومن يتمرد عليها مكانه الطبيعي، السجن. حتى لا ينال من نفسية الأمة ويصيبها بالوهن والعطب.
ت‌. تكاد شخصية الرئيس. الزعيم، أو القائد الضرورة تحتل نصف مساحة المحتوى الإعلامي في أغلب بلدان العالم العربي، وعلى الدوام يتم العمل من أجل إثبات جسامة المهمات الملقاة على عاتق الزعيم واعتباره امتداداً تاريخياً للحاضر، وضرورة تمثل القيم التي يحملها واعتبارها قيماً عليا. بـ طرق مختلفة. بدءاً من إظهار جديته ومتابعته لأمور الوطن والمواطن وانتهاءً بوقوفه أمام مخططات الأعداء المتربصين بالوطن. في الخارج والداخل.
حقيقة استطاعت النظم المتحكمة بدول العالم العربي من القضاء على بواكير الإعلام المقروء والمنطوق بالعربية قبل أكثر من نصف قرن والتي كان يمكن لها من لعب دور مهم في تقدم هذه البلدان خصوصاً في مجالات التنشئة والتنمية الثقافية وتحررها من إرث التخلف والتقهقر، ومع الوقت تم إحلال إعلام شمولي وعقائدي تميز بصلابته وتمركزه حول نظريات مثل وحدة الأمة والمؤامرة والقائد الرمز، وتميز بتطابق الشكل مع المضمون. حيث المبالغة في الرصانة والجدية من خلال طريقة التقديم والإخراج لإضفاء الهيبة، والإطناب على الزعيم الذي هو حامل رسالة الأمة فيما يتعلق بـ المحتوى. يضاف لذلك نقطة مهمة حول مركزية الإعلام في العالم العربي وحصره في المدن الكبيرة وتحول الوسائل الإعلامية في البلد الواحد إلى نسخ كربونية طبوقة .
إذاً وكما أشرنا سابقاً لم يختلف المحتوى الإعلامي من حيث النتيجة والهدف بين الأمس واليوم، سوى بـ جوانب مهنية تتعلق بما هو تقني مع محاولة إضفاء جاذبية تمس شكل الرسالة وطريقة التغليف لإيصال المحتوى، ويمكن القول قلت المسافة بين المرسل والمستقبل بالمقارنة عما كان عليه في الماضي ولكن ضمن هامش يتعلق ببرامج ترفيهية وحوارية بعيدة عن ملامسة القضايا المهمة والحساسة وفي أفضل الأحوال تقديم وجهات نظر متطابقة مع رؤية النظم الحاكمة .
ومن خلال المتابعة نلحظ أن موضوعة صناعة الهويات الوطنية تأتي في قائمة أولويات الإعلام في العالم العربي، وهي صناعة قسرية مهما حاول البعض الالتفاف على الموضوع أو تجميله، ليس فقط لأن الهوية نتاج صيرورة طبيعية تراكمية لجوانب ثقافية واجتماعية معقدة، بل لأن الهوية هنا تنبع عن دوافع لها علاقة مباشرة مع نظام الحكم والتحديات التي تواجه هذه النظم، ولم تنبع من ضرورات لها صلة مع مشاريع أفقية تهم شعوب العالم العربي من قبيل التنمية والسلم الأهلي والتصالح مع المحيط الداخلي أو الخارجي لهذه الدول، وتم توكيل مهمة نسج وصناعة هذه الهويات القسرية للإعلام، وعوضاً من أن يلعب الإعلام دوره التفاعلي للارتقاء بالهوية الوطنية ومكونات هذه الهوية وتشذيبها من الغلو والتطرف الديني والقومي وربطه بقيم الحضارة البشرية المعاصرة. يتم اللعب على الهوية إعلاميا في سبيل خلق هوية شعبوية خالية من الوعي تجاه القضايا المصيرية والمهمة والتي هي من صلب مهام أية هوية وطنية. وتبدو الهوية المصطنعة في مخابر الإعلام العربي ليست سوى هوية نظام الحكم وفي جانب آخر هوية شمولية قمعية تفرض على مواطني الدولة غايتها القصوى تحويل الشعوب إلى قطعان إيديولوجية وعقائدية عبر اللجوء إلى البروبغندا والشائعة وطمس الحقائق ، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا أنه تم إعادة كل الأزمات الاقتصادية وشح المواد المتعلقة بالمعيشة والفقر إلى عوامل خارجية لدرجة أن أحد مشتركات الهوية الوطنية كانت المزاج الشعبي المتعب من اللحاق بمتطلبات الحياة الأساسية بينما كان الإعلام العربي يصدح بالأغاني الحماسية وخطب الزعماء ويختلق البطولات ويوزع صكوك الوطنية. توضح هذا الشيء في حرب تموز 2006 عندما أقحم حزب الله لبنان في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، على الفور المحتوى الإعلامي العربي ذوب عقائدية حزب الله في الهوية الوطنية لكل بلدان العالم العربي، ولو راجعنا أرشيف الإعلام العربي خلال هجمات 11 أيلول 2001 نكتشف أن بعض وسائل الإعلام العربية حاولت أن تفند الهجوم جملة وتفصيلاً و اعتبر الحادث محاولة للنيل من الهوية الإسلامية، و نكاد اليوم لا نميز بين الظواهر والطفرات المستحدثة والمصطنعة وبين الهوية الوطنية كـ واحدة من مفاعيل التماهي مع الشعبوية التي اشتغل عليها هذا الإعلام.

وفي الوقت الذي وجد فيه البعض من راديكالي الفكر القومي العربي والإسلامي. العولمة، على أنها احتلال ثقافي وتدمير للهويات الوطنية وعدت مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية تحطيم للذات وللشعوب. سوق هؤلاء بالمقابل لـ مزاج ثقافي هابط في كل المجالات سمتها المنفعة الذاتية والوصولية و الزبائنية على حد تعبير الحراك اللبناني ، وتغاضى الإعلام العربي عن جذر المشكلات المستعصية، إلى أن جاءت موجات الربيع العربي أواخر 2010 لترفع الغطاء عن مدى تخلخل الهويات الوطنية وتفكك المجتمعات المحلية وتضعضع حواملها، ومن ثم إعادة إنتاج التاريخ العنفي والعودة للماضي وترحيل المشاريع التنموية والنهضوية لأجل غير مسمى.
الإعلام العربي وأزمة الهوية
من المهام التقليدية للإعلام والتي تؤرق بال صناع السياسات في الدول الشمولية هي صناعة الرأي العام والتأثير فيه، لهذا كان بديهياً أن يتم احتكار وسائل الإعلام وبالتالي مصادرة الرأي العام، هذا التوصيف ليس ببعيد عن إعلام دول العالم العربي وينطبق على العديد منها. لذلك تكاد غالبية وسائل الإعلام العربية. الرسمية منها تحديداً، ترفض الاعتراف بوجود أزمة هوية وطنية، تالياً تنفي التمايز الثقافي بين مكونات ومجتمعات العالم العربي وترفض الإقرار بوجود انسلاخ بين النظم الحاكمة والشعوب وتعيد نظام المعاقبة والمراقبة لمسوغات لا معنى لها.
وببساطة يمكن الانطلاق نحو أزمة الهوية الوطنية من حالات العنف التي رافقت موجات الحراك الشعبي في بلدان العالم العربي، وأتذكر هنا كيف أخذ طلابي من المرحلة المتوسطة بتحطيم أسوار المدرسة في أحد أحياء حلب، ثم أخذوا بتكسير مقاعدهم الدراسية وحفروا في بلاط الممرات وكسروا النوافذ والأبواب، وسادت الفوضى المدينة كلها. رغم أن جزء من الفوضى تقصدها النظام، إلا أن تحطيم البنية التحتية للمدينة كانت تنم عن هوة حقيقية بين المواطن والوطن. عملياً كان الكل يكسر ويدمر الهوية الوطنية التي ارتبطت بالنظام الشمولي، طلابي كانوا يظنون أن المدرسة ليست مدرستهم، وزميلي المدرس والذي تحول بين ليلة وضحاها لبيع المحروقات في قارعة الشارع في محاولة لكسب مادي غير مشروع ضارباً بعرض الحائط السنوات التي قضاها في تلقين طلابه المواعظ الوطنية وحب الوطن. أما الوسط الكردي والذي كنت أتحرك فيه ضمن حيز له صلة بهويتي القومية على الفور عاد الكرد لقواعدهم القومية وانفصلوا عن الواقع السوري وبدوا غير معنيين بما يجري من حولهم. كل هذا يصل بنا للإقرار بوجود أزمة بنيوية في الهوية الوطنية. جزء من هذه الأزمة له صلة مباشرة بالصراعات الداخلية داخل مكونات العالم العربي ما بين الإثنيات والأقليات وسحب الماضي على الحاضر وجزء آخر وثيق الصلة بصراعات خارجية ذات طابع عسكري أو ثقافي.
الخلاصة
للهوية الوطنية في العالم العربي بعد تخيلي مفصول عن الواقع رسمه الإعلام العربي ووظفه لخدمة منظومات الحكم التي ما تزال تتهرب من استحقاقات التنمية ودمقرطة العالم العربي ، وبعيد موجات الربيع العربي أخذت هذه الهويات التي استمدت قوتها من القمع والبطش بالتفكك والتحلل لتنسخ تجارب الأنظمة المستبدة ضمن مساحات أضيق، ويمكن القول إن تحقيق “هوية ديمقراطية تفصل الايديولوجيات عن الدولة تحت سيادة القانون والاعتراف بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة”. ربما يكون المخاض الجديد من موجات الربيع العربي كما يتبدى اليوم من الحراك الشعبي في لبنان والعراق .

المراجع :
1 إريك إريكسون / الطفولة المعروفة والمجتمع. نسخة الكترونية .
2 محمد عابد الجابري / عشر اطروحات حول الهوية الثقافية والعولمة .
نسخة الكترونية .
3 برهان غليون/ المحنة العربية. الدولة ضد الأمة. مركز دراسات الوحدة
العربية بيروت 1994
4 حسن مصطفى عبد المعطي/ علم نفس النمو . المكتبة الالكترونية
الشاملة .
5 د. علي الفتلاوي / مقاربة الهوية الوطنية سوسيولوجيا . موقع Academia
6 محمد عابد الجابري / مسألة الهوية والعروبة والاسلام والغرب. مركز
دراسات الوحدة العربية بيروت 2005
7 هشام شرابي / مقدمات لدراسة المجتمع العربي . طبعة الكترونية .
8 تهامة الجندي/ الاعلام العربي قلق الهويات وتحديات الثقافة . مركز
جيرون .
9 د. ياس خضير البياتي/ الاعلام العربي وتحديات العولمة. جامعة بغداد نسخة الكترونية.
10 لوسيان لوبون / سيكولوجية الجماهير . طبعة الكترونية .
11 الزبائنية : تعبير درج خلال الحراك الشعبي اللبناني أواخر تشرين
الاول 2019 .
12 مروان حبش / مقاربة في مفهوم الهوية الوطنية . موقع الجمهورية
آب 2017 .

Leave A Reply

Your email address will not be published.