من العزلة إلى التكامل: التغلب على أضرار المقاطعة للمصالح العربية

0

بقلم: إجلال غيتة

إن المقاطعات المتعاقبة عززت إسرائيل وشعبها في حين ألحقت أضراراً كبيرة بالدول العربية، ليس أقلها الشعب الفلسطيني. وسوف لن تعرف ذلك من خلال الدعاية البغيضة التي أصبحت مفرطة في حرم الكليات مؤخراً، لقد حان الوقت للمضي قدماً في حقبة ما بعد المقاطعة لصالح جميع شعوب المنطقة.

لقد مرّت مقاطعة إسرائيل وشعبها على عدة مراحل بمرور الوقت. بدأت في منتصف القرن العشرين، عندما شرعت النخب العربية سياسات تمييزية واستبعادية ضد 900 ألف يهودي من السكان الأصليين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد توج المشروع بانتزاعهم من أملاكهم وتهجيرهم قسرياً. ثم تطوّرت المقاطعة إلى جهد عربي حكومي دولي لاستهداف الدولة الفتية – دولة إسرائيل – التي فر إليها معظم هؤلاء اليهود، وذلك من خلال عزل سياسي وثقافي واقتصادي كان يهدف إلى اقتلاعهم واقتلاع إخوانهم اليهود الأوروبيين من المنطقة. وكان التكرار الثالث للمقاطعة هو الحظر المجتمعي على جميع أشكال المشاركة المدنية مع الإسرائيليين، حتى في البلدان التي أقيمت فيها اتفاقيات السلام بين الحكومات.

وفي وقت بدأت فيه هذه المقاطعة أيضاً بالتلاشي، إذ يسعى تيار صاعد من الشباب العربي إلى المشاركة مع جيرانهم الإسرائيليين، ظهر النوع الرابع من المقاطعة، إنما بين الأجانب الى حد كبير هذه المرة. وذلك من خلال حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) بين النخب الفلسطينية الإسلامية المتطرفة واليسارية المتشددة – خاصة في أوروبا والقارتين الأمريكيتين – تهدف الى التضييق بين الإسرائيليين وشركائهم العالميين.

يمر بعض الأنماط المتسقة عبر كل هذا التاريخ. من ناحية، لم تفشل المقاطعة في هزيمة إسرائيل وشعبها فحسب، بل ألهمتهما على ابتكار ردود فعل من شأنها تنشيط الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليين. بينما أضرت بالمجتمعات والاقتصادات العربية من ناحية أخرى. وفي الوقت نفسه، امتدت أساليب المقاطعة إلى صراعات أخرى داخل المجتمعات العربية، الأمر الذي زاد من حدة المواقف الطائفية وتزايد الانقسامات بين الطوائف، وساهم بالتالي في تفكك الدول القومية المنقسمة، بما في ذلك اليمن والعراق وليبيا وسوريا.

علاوة على ذلك، فإن المقاطعة عزلت الفلسطينيين بشكل فعال داخل الضفة الغربية وغزة عن المنطقة: فبينما تتمتع فصائل «المقاومة» المتشددة بالدعم من قوى عديدة، فإن هؤلاء الفلسطينيين الذين يستخدمون قضية عادلة لبناء المؤسسات لدولة مستقبلية، بالكاد يجدون شركاء عرب. كما لا يمكنهم أن يعملوا جنباً إلى جنب مع الإسرائيليين للتفاعل في المنطقة – وهو دور كان سيمكنهم اقتصادياً.

إن مسألة إعادة بناء المنطقة وتنشيطها تقتضي إنهاء هذا التاريخ المأساوي: يجب أن نعمل على التغلب على المقاطعة لمنفعة الجميع – الانتقال من عقلية الفصل إلى سياسة التكامل. ولكن كيف؟ دعونا نبدأ بتقطير التفكير التشغيلي للمشكلة من خلال مراجعة عمق المقاطعة وتوسيعها، ووسائل انتشارها، والجهود المبذولة لدحرها. وبمجرد أن نفهم هذه الديناميات بشكل أفضل، يمكننا رسم طريقة لتفكيكها. على سبيل المثال، نظراً لأن المقاطعة تطورت من خلال الاتصال الجماهيري والضغط السياسي، أولاً باللغة العربية ومن ثم بلغات أخرى، لذلك يجب أن نواجهها من خلال حملة من الاتصالات التصحيحية والتواصل العام بجميع اللغات نفسها، تبدأ باللغة العربية.

وبالنظر إلى أن ثقافة المقاطعة بدأت بالتورم من المنطقة العربية إلى معظم أنحاء العالم، يجب أن تكون الاستجابة العربية عالمية أيضاً.

وبما أن الإسلاميين واليسار المتشدد والفصائل الفلسطينية المتطرفة تجمدت في ائتلاف، يجب على العرب من أجل التكامل أن يبنوا ائتلافاً من دوائر انتخابية أكبر وأقوى.

وبالنظر إلى أن الجهود الحالية لتحدي المقاطعة نادراً ما تصل إلى المجتمعات العربية وتلتزم الصمت تقريباً بشأن نتائج المقاطعة على العرب، نحتاج إلى سد هذه الفجوات بشكل خاص.

تبلغ المنطقة حملة جديدة لما بعد المقاطعة ومن شأن هذه الحملة:

الرهان:التواصل مع وسائل الإعلام العربية: يجب أن نستخدم جميع الوسائل التكنولوجية المتاحة لإطلاق حملة اتصالات توضح الأضرار البشرية والاقتصادية للمقاطعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بشكل عام على العرب.

التواصل مع وسائل الإعلام الغربية: يجب أن ننقل رسالة خاصة إلى الجمهور العالمي. ففيما يسعى ناشطو حركة المقاطعة إلى إرجاع المنطقة نحو الفصل، هناك موجة صاعدة من الشباب العربي التقدمي تريد المضي قدماً نحو التكامل.

النموذج:

منطقة ما بعد المقاطعة: استلهاماً من الحملات السلمية من أجل الحقوق المدنية في جنوب أمريكا في منتصف القرن العشرين، يجب علينا تنظيم أنشطة عامة لخرق المقاطعة. ويشمل ذلك التبادل الأكاديمي العربي والإسرائيلي في مؤتمرات جامعاتهم؛ التعاون الثقافي مثل الإنتاج السينمائي العربي الإسرائيلي المشترك؛ وشراكات جريئة جديدة في القطاع الخاص، ويحدث كل ذلك في ضوء النهار. وبشكل مشابه، فإننا نتحدى قوانين الفصل العنصري في العديد من الدول العربية التي وضعت تشريعات قاسية تنص على السجن سنوات لمجرد مقابلة مواطن إسرائيلي.

عالم ما بعد المقاطعة: حاولت عناصر من حركة المقاطعة في بعض البلدان الغربية، ان تستخدم العملية الديمقراطية لإجبار الحكومات والشركات على الامتثال للمقاطعة، في بعض الحالات كمسألة تتعلق بالقانون الجنائي. يجب علينا تنظيم مشروع متعدد القطاعات لكل قطاع من الشهادات والدعوة للاندماج في المجالس التشريعية العربية والغربية والنقابات المهنية وقاعات صنع القرار.

متابعة:

لحظات قابلة للتعلم في المجالس العامة: على الرغم من أن متظاهري حركة المقاطعة يطالبون بجدول أعمال ضار بالمصالح العربية، فإن وجود بعض العرب بينهم يخلق انطباعاً خاطئاً بأنها حركة «مؤيدة للعرب». يجب أن نتحدى هذا التشويه من خلال جعل أصواتنا مسموعة.

إعادة بناء:

ويتطلب تنشيط المنطقة انفصالاً لا رجعة فيه عن التاريخ الفاشل للمقاطعة. يجب علينا تحويل عقلية الفصل إلى عقلية التكامل. كما يجب أن نحدد ونعمل بعد ذلك على إنشاء مشروع انتقالي تحل فيه الشرق الأوسط ما بعد المقاطعة محل حركة المقاطعة بالكامل، حتى يمكن لمزايا الشراكة أن تحل أخيراً محل ويلات الاقصاء.

Leave A Reply

Your email address will not be published.